الحضور المشرقي في فقه المغاربة: قراءة في المنهج (شرح النيل نموذجا) محمد بن موسى باباعمي

الحضور المشرقي في فقه المغاربة لمحمد باباعمي

الجزء ١ · صفحة ٣

قال الشيخ اطفيش: "والحق في الأصول في واحد مع واحد، والحق في الفروع مع واحد في واحد ولا يضيق على الناس خلافه"(1) .

ويضيف في هذا المعنى قوله:"حتى إذا سئلنا عن مذهبنا في القوم ومذهب المخالفين وجب علينا أن نقول: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب، لأنك لو قطعت القول بأن مذهبنا صواب فقد، ما صحّ قولنا: المجتهد يخطئ ويصيب، وإذا سئلنا عن ديانتنا وديانة المخالفين وجب أن نقول: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه مخالفونا، لأن الحق عند الله واحد"(2) .

هذا التوسع في الفروع، والتسامح والتساحل فيه، ليس مما أُلف في التراث الإسلامي إلاَّ ما شذَّ، حيث ظل المسلمون لقرون عدة يخطِّئون من يخالفهم في المذهب، لأجل جزئية فرعية لا تدخل في مسائل التوحيد، ولم تثبت بكتاب أو سنة متواترة، ومن جملة ذلك: اختلافهم في المسح على الخفين، وفي الرفع والقبض في الصلاة… وغيرها.

هذا بين مذهب ومذهب، ولقد ثبت الاختلاف داخل المذهب الواحد، بل عند العالم الواحد، الذي يفتي بما يحقق، ثم يثبت له نقيض ذلك، ولا حرج عليه.

وكذلك كان الإباضية داخل المذهب الإباضي، يسرَحون بأريحية، ويسمحون لأنفسهم بالاجتهاد دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، توائم مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار ولد ما يعرف بفقه المشارقة، وفقه المغاربة، ونكاد اليوم لا نطالع كتابا متخصصا في الفقه الإباضي، إلا ويصادفنا هذا المصطلح.

شرح النيل نموذجا

وفي محاولة من الباحث للولوج إلى هذا الخضم المنهجي العميق، يدرس نسبة حضور الفقه المشرقي في مصادر الفقه المغربي.

ولقد اخترت شرح النيل نموذجا، لعدة أسباب، أهمما:

*كونه المعتمد الأساس والأول في فقه المغاربة اليوم.

*كونه أكبر موسوعة فقهية في المغرب، علا الإطلاق.

(1) - شرح النيل، ج17/ص41.

(2) - نفس المرجع، ج17/ص447.

٣ / ١٥