ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١١وكان هذا الهدف هو الأصل في الماضي، ونتج عنه كثير من العصبية المذهبية، والتشدد بالتمسك بالمذهب، وتأييد الإمام، وعدم الخروج عن أقواله، والتشكيك بأقوال المذاهب الأخرى، والطعن بها، والنيل منها، وعقد المناظرات الشفهية لها، وتسجيلها في الكتب، ولذلك كان معظم الباحثين في علم الخلاف يصلون إلى تأييد مذهبهم، وترجيح قوله مطلقاً، وخرج عن هذا السبيل عدد كبير ممن يلتزم الحق ويرجح بالدليل الأقوى، كالقرطبي، وابن الهمام، والقرافي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رشد الحفيد، والشعراني، والشوكاني، ويحيى بن حمزة الزيدي.
ولكن نتج عن الفقه المقارن في العصر الحاضر عكس ذلك تماماً، وهو زوال العصبية المذهبية، وأن الحق لا يملكه شخص أو طرف أو مذهب، وتم قبول القول الآخر، مع الاطلاع على الأدلة القوية أو الراجحة في المذاهب الأخرى، كما تم التعرف على الجوانب الإيجأبية، والسعة، والنظريات التي انفرد بها المذهب الآخر، وأدى ذلك إلى اتساع الأفق، ورحابه الصدر، وفتح المجال أمام العلماء ورجال التشريع للاستفادة من سائر المذاهب، واختيار القول الأرجح، أو الأنسب الذي يحقق مصلحة الناس حسب الأحوال والأزمان والأمكنة.
ولهذه النتيجة الأخيرة ارتفع نجم الفقه المقارن، وأصبح مطلباً عاماً، ومقرراً للتدريس في المعاهد والكليات والجامعات، وأصبح وسيلة لدراسة الفقه، وهدفاً في المقررات الدراسية، وخصصت له الساعات الدراسية من جهة، وصار المنهج العام في دراسة المواد الفقهية غالباً.
كما أصبح منهج الفقه المقارن هو الطريقة المثلى المطلوبة في الرسائل العلمية للحصول على الماجستير، أو في الأطروحات للحصول على الدكتوراه في الفقه المقارن، وهو المطلوب المتفق عليه في إعداد البحوث العلمية المحكمة في الفقه الإسلامي، وفي الدراسات والندوات والمؤتمرات المحلية والدولية.