التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ١١١

وكتب الفتاوى بالخصوص نموذج حيّ لهذه الصورة، بيد أننا نجد لها نظائر في كتب الفقه العامة، وقد رأينا في كتاب الضياء مثالا دقيقا لذلك، إذ لم يكن مجرد مصنف لأحكام الفقه النظرية، بل وجدنا فيه تسجيلا وافيا لقضايا تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية عرفها المجتمع العماني حيث عاش المؤلف كل حياته، وفيه تسجيل لمراسلات بين العلماء حول ما يشكل عليهم من تلك القضايا والنوازل.

وأحسب أن تلك اللمحات الوافية تصلح مادة لدراسة تاريخية متأنية تكشف عن أهمية الفقهاء في تدوين التاريخ، وحفظ ذاكرة المجتمع ولو لم يكن ذلك هدفهم ولا منطلقهم في ما كتبوا، بل تلك طبيعة عملهم باعتبارهم روادا للمجتمع وهداة له حتى يتبوأ منزلته تحت مظلة أحكام الإسلام وشريعته السمحاء(1).

وبما أن بحثنا سيطرق العوتبي نموذجا للفقه المقارن، فمن المناسب الإشارة إلى أن كتابه "الضياء" يمثل صورة حية لمعالجة الواقع الاجتماعي في عرض أحكام الفقه، من شواهد ذلك فتواه بأن من خرج لمعاونة القرامطة على جند الإمامة في صحار، فأفطر، فإن عليه قضاء ما أفطر، وليس عليه غير ذلك، وعليه التوبة من بغيه(2).

وهذا الحكم قائم على رأي الإباضية أن سفر المعصية لا يمنع استعمال الرخصة، خلافا لمن قال: إن المعاصي لا تبيح الرخص، فمن سافر في غير طاعة أو مباح لزمه إتمام الصلاة ولم يبح له الفطر في رمضان(3).

- علم الفقه المقارن وعلم الخلاف:

قد يبدو أن ثمةَ تشابها بين الفقه المقارن وعلم الخلاف، بيد أنهما مختلفان وظيفة وإن اشتبها وسيلة.

(1) – ينظر في الضياء على سبيل المثال، بعض أبواب الزكاة، منها "ما يؤخذ من أموال الحرب من المشركين إذا قدموا بها إلى بلاد المسلمين" ج6، ص191-193.

(2) – انظر العوتبي، الضياء؛ 6/353.

(3) – من قواعد الفقه "أن الرخص لا تناط بالمعاصي".

١١١ / ٣٣٣