التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ١١٥

ودونما إسهاب في طرق قضية تجزؤ الاجتهاد، فإن منطق الواقع يقضي بحسم المسألة وموافقة القول بجواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي جمهور علماء الأصول، فلا يشترط فيمن يتصدى للمقارنة بين آراء الفقهاء أن يكون ملما بالفقه كله على ضخامة حجمه، وتشعب مسائله، بل يكفي أن يكون على دراية وافية بالموضوع الذي يطرقه حتى يستطيع الموازنة بين الآراء عن علم وبصيرة، ويكون رأيه في النهاية سديدا، أو قريبا من الحق الذي هو مقصود المجتهدين أولا وأخيرا.

إسهام الإباضية في الفقه المقارن:

أسهمت المدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية بجهود طيبة في مضمار إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى هذه المدرسة.

وبيان ذلك أن إمام المذهب جابر بن زيد كان يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.

وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج وفيرة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الحيدة والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.

ثم وجدنا مدونات لاحقة مفعمة بهذه الروح العلمية المتفتحة، وطافحة بسرد آراء أئمة فقهاء الإسلام دون تمييز أو تحيّز.

١١٥ / ٣٣٣