التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

وإذا عجز عن نقد الحديث احتمل له وجوها من التأويل، كما فعل في حديث «لا توَطّن المساجد للصلاة والذكر لرجل إلا يبشبش الله به حين يخرج من منزله كما يُبشبش أهل البيت بغائبهم إذا قدم عليهم».

قال: «ومعنى ذلك المسرّة به، ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إذا أسرّه وانبسط إليه. فإن كان الحديث صحيحا فتأويله على المجاز لا على الحقيقة، لأن السرور والبشاشة ليس من صفات الله عز وجل»(1).

- القياس بين الإفراط والاقتصاد:

كان القياس أساسا اعتمده جمهور المجتهدين لاستنباط الأحكام، وضمان شمول الشريعة لتجدد الحياة وتدفق القضايا التي يعيشها الإنسان، ولم يفرط العوتبي في هذا الدليل، بل استند إليه في كثير من آرائه أسوة بسائر المجتهدين.

ولكنه كان يلتزم شرائط القياس حتى يثمر اجتهادا صحيحا، ويرفض ما خالف قواعده، أو لم يستوف شرائطه.

فقد وافق إجماع الإباضية أن الظهر والعصر تصلى بالفاتحة وحدها دون السورة، استنادا إلى الإجماع أن كل الركعات السرية تصلى بالفاتحة وحدها، بينما يُقرَأ في الركعات الجهرية بالفاتحة والسورة. وأورد الحوار مع المخالف في هذه المسألة، واحتج بالقياس وانتصر للقول بعدم السورة في الظهر والعصر(2).

ومن ذلك مسألة تحريم الموطوءة في الحيض على زوجها، وهو قول مأثور عند الإباضية، وألحقوا بها الموطوءة في النفاس. وكان رأي العوتبي رفض هذا القياس لاختلاف الصورتين، إذ إن القرآن ورد بتحريم الوطء في الحيض نصًّا، فناسب تشديد الحكم على منتهكه، ووردت أحاديث تشنع على فاعل ذلك، وتلزمه دينار الفراش، وهي وإن كانت أحاديث مضطربة عند نقدة الروايات، فقد عمل بها كثير من الصحابة والأئمة. ولم يرد مثل ذلك في باب النفاس، فرأى العوتبي عدم حرمة الموطوءة في النفاس لهذا الاعتبار(3).

(1) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/48.

(2) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/172.

(3) – أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص73.

١٤٤ / ٣٣٣