ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١٧٠في مسألة الخلاف في مسح كل الرأس في الوضوء من حيث دلالة صيغة آية الوضوء ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ [سورة المائدة:6]. هل توجب الآية الكريمة مسح كل الرأس أم بعضه؟ فذهب جمهور الفقهاء تقريباً إلى الدلالة على البعضية، بحجة أن (الباء) في «بِرُءُوسِكُمْ» تأتي في مثل هذا المكان للتبعيض، وتدل عليه في دلالتها ومعناها اللغويين، وعارض المؤلف هذا القول رأياً وتفسيراً، وذهب يعرض أوجه الاستدلال ضد مخالفيه بطريقة شيقة، بقدر ما هي شاملة وعميقة، ومقنعة وواضحة، في أوجه ثلاثة:
أولها: أن الباء تأتي للإلصاق، وهو معناها الأصلي الذي يجب الرجوع إليه فهي تعني عكس ما ذهب إليه مخالفوه، وهو إلصاق المسح بكل جزء من الرأس.
ثانيها: استشهد بابن جني، وهو واحد من أبرز فلاسفة اللغة العربية والمجددين في علومها.. وأورد رأي ابن جني الذي قال فيه: «ومن زعم أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أهل اللغة، ولا ورد في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره».
وثالثتها: أورد المؤلف قاعدة في غاية الدقة والأهمية، ومفادها: أن الباء في «بِرُءُوسِكُمْ» تدخل على المفعول به لغرض التعميم لا التبعيض، ذلك أن الفعل إذا كان متعدياً بنفسه فله حالتان:
الأولى: إذا جاء دون تعديته بالباء في مثل: مسحته، فإنه هنا يفيد التعميم والتخصيص.
والثانية: إذا جاء مع الباء في مثل (مسحت به) فإنه لا يفيد إلا التعميم؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج إلى الباء لغرض التعدية، ولكن لتفيد معنى جديداً هو التعميم.
ثم يؤكد بأن (باء التبعيض) لم ترد في القرآن الكريم على الإطلاق.