التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

وقال أبو عبيد: كل داع فهو مصل. وكذلك الأحاديث التي جاءَ فيها ذكر صلاة الملائكة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصائم إذا أكل عنده الطعام صلّت عليه الملائكة عشراً حتى يمسي» وحديثه: من «من صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلت عليه الملائكة عشراً حتى يمسي» وهذا في حديث كثير، وهو كله عندي الدعاء، ومثله في الشعر في غير موضع. قال الأعشى:

وقابلها الريحُ في دِنَّها ……وصلى على دِنَّها وارتسم

أي دعا لها بالسلامة والبركة يصف الخمر، ومنه قولهم: اللهم صل على محمد، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ [سورة الأحزاب:56]. فهو من الله رحمة، ومن الملائكة دعاء.

قال أبو عبيدة: الصلاة ثلاثة أشياء: الرحمة والدعاء والصلاة، وقال الرازي مثل قول أبي عبيدة، قال: ومن الرحمة قول كثير:

صلي على عز الرحمنُ وابتها …ليلى وصلي على جاراتها الأخر

الصلاة هاهنا بمعنى الرحمة. قال أهل التفسير: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء.

قال: والصلاة على وجوه كثيرة غير ما ذُكر وقد تركتها اختصاراً».

النص الثاني: من موسوعة (الانتصار)(1):

«المبحث الأول: في لفظ الصلاة واشتقاقه: اعلم أن لفظ الصلاة مقول على معان ثلاثة:

أولها: الدعاء، قال اللّه تعالى: ﴿ َصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [سورة التوبة:103]. أي أدع لهم. وقال الشاعر:

عليكِ مثل الذي صليتِ فاعتمضي(2)

وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ﴾ [سورة الأحزاب:56].

وثانيها: الرحمة من اللّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ [سورة الأحزاب:56]. لأن التقدير أن اللّه يصلي وملائكته يصلون.

(1) ـ الانتصار: ج2/476-479.

(2) تمامه: يوماً فإني لجنب الحي مضطجعاً.

١٨٨ / ٣٣٣