ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١٨٩وثالثها: بمعنى الاستغفار وهي صلاة الملائكة، فصار إطلاق لفظ الصلاة على هذه المعاني الثلاثة الدعاء والرحمة والاستغفار. وهل يكون إطلاقها عليها على جهة الاشتراك أو على جهة التواطؤ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن إطلاقها عليهما إنما هو على جهة الاشتراك؛ لأن هذه المعاني مختلفة وكل لفظ أطلق على معانٍ مختلفة فهو مشترك كلفظ القرء ولفظ الشفق.
وثانيهما: أن يكون إطلاقه على جهة التواطؤ لأنه يجمعها جامع معنوي كإطلاق لفظ الإنسان والفرس، فإطلاق لفظ الإنسان على أفراد متعددة كزيد وعمرو وبكر وخالد تجمعها الإنسانية، وهكذا لفظ الفرس فإنه يطلق على أفراد متعددة يجمعها جامع الفرسيَّة. فالصلاة من اللّه تعالى ومن ملائكته ومن المؤمنين يجمعها جامع معنوي وهو الاهتمام بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
والمختار: هو الأول، من جهة أن هذه الأمور الثلاثة مختلفة في أنفسها لا يجمعها جامع معنوي على حال ولو سوغنا هذا الجامع المعنوي الذي ذكروه وهو الاهتمام بأمر الرسول فما يعجز عن تقدير أمر معنوي في الألفاظ المشتركة فيلزم ألا يوجد لفظ مشترك وهذا فاسد. فصح إفادته لهذه المعاني بالاشتراك وهو مطلوبنا.
المبحث الثاني: في بيان معنى الصلاة وحقيقتها بالشرع: اعلم أن لفظ الصلاة صار منقولاً بالشرع لإفادة معانٍ شرعية تخالف موضوعها اللغوي، ويوضح ما قلناه ويؤيده أن القائل إذا قال: فلان يصلي فلا يسبق إلى الفهم الدعاء وإنما يفيد اشتغاله بأفعال مخصوصة شرعية تخالف الدعاء فصارت حقيقة في إفادة تلك المعاني الشرعية، وحقيقة فيها لسبقها إلى الفهم عند الإطلاق. وصارت المعاني اللغوية مجازاً لا تفهم إلا بقرينة وهذه أمارة كون اللفظ مجازاً.
فإن قال قائل: إذا كان لفظ الصلاة منقولاً بالشرع لإفادة معانٍ شرعية فهل يفيد الدعاء أو يصير الدعاء غير مستفاد منه ويكون نسياً منسياً.