التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

وقال أبو جعفر: وذكر لنا بكار بن قتيبة أنه سمع أبا عاصم النبيل، وقال له رجل: ما معنى شركة العنان؟ فقال: هي كلمة تطرف بها أهل الكوفة. يريد أنهم أحدثوها للفرقة بين المفاوضة والعنان، فذكرته لابن أبي عمران فقال: ما قال شيئا. وإنما هي مأخوذة من عنان الدابة، الذي يحبسها به راكبها عما لا يريده، لأنه يمنع نفسه بها عن التصرف في سائر الوجوه الأخرى، ومنعه أن يتصرف عليه من غير الوجه الذي تعاقدا عليه. فإذا كانت شركة العنان موجودة في اللغة، فقد دل على أن هناك شركة غيرها، وهي المفاوضة، فتجوز المفاوضة كما جاز العنان، إلا أن المفاوضة أعم، وإذا جاز العنان مع ما فيها من الجهالة، جازت المفاوضة».

تعليق على منهج الإمام الطحاوي:

على الرغم من أن منهج الإمام الطحاوي في عرض الخلاف يتسم بالدقة، خاصة في نسبة الآراء إلى أصحابها، إلا أنه يكاد ينحصر في الفقه السُّنِّي لا يتعداه إلى غيره من المذاهب، بل حتى في دائرة المذهب السنّي لا يكاد يشير إلى المخالفين من الظاهرية. وفي كل الأحوال فإنه لم يستوعب آراء المذهب الإباضي وخلافاته، وهذا جانب يدعو إلى التساؤل، خاصة بالنسبة لفقيه قيل إنه عارف بكل مذاهب الإسلام. والمذهب الإباضي اكتملت نشأته ومصادره الأساسية منذ القرن الثاني الهجري، واستقرت معظم مسائله على يد مسلم بن أبي كريمة.

هل إغفال الطحاوي لآراء الفقه الإباضي جاءت عن عمد، لخلاف حول بعض الأسس، خاصة وأن المؤسس الأول للفقه الإباضي جابر بن زيد أكمل مهمته وغادر الدنيا وأبو حنيفة في العقد الثاني من عمره، والإمام مالك لم يكن أكمل السنوات الثلاث من عمره، أم إن المسألة تتعلق بغياب المراجع الإباضية الرئيسية بعد أن دخلت مرحلة كتمان جديد، إثر سقوط الدولة الرستمية؟ إنه احتمال يحتاج إلى أدلة، خاصة وأن مؤلفات إباضية مهمة اكتملت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري، ووجدت طريقها إلى الحياة الفقهية.

٢٠٨ / ٣٣٣