ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥هذا التوسُّع في الفروع، والتسامح والتساهل فيها، ليس مما أُلف في التراث الإسلامي إلاَّ في بعض مظاهره الحضارية الراقية(1)، حيث ظلَّ المسلمون لقرون عدَّة يخطِّئون من يخالفهم في المذهب، لأجل جزئية فرعية لا تدخل في مسائل التوحيد، ولم تثبت بكتاب أو سنَّة متواترة، ومن جملة ذلك: اختلافهم في المسح على الخفين، وفي الرفع والقبض في الصلاة… وغيرها.
(1) – رغم أنَّ بعض الباحثين في المناهج الفقهية يقررون أنَّ هذا الاختلاف «مارسه الفقهاء المسلمون عبر العصور الإسلامية بحرية تامة دون انغلاق، أو انفلات، أو تقديس للأشخاص، أو تنقيص للمخالفين، أو اتباع للأهواء» غير أنَّ هذا الحكم قد يكون صادقا في دائرة مغلقة، وبطريقة انتقائية، ذلك أنَّ كلَّ جهة تستثني الجهة الأخرى من إمكانية الحق والصواب، وتصمها بالبدعة، والخروج من الدين، وترفض ما يأتي منها بأسماء وعناوين مختلفة، ولعلَّ أكثر المذاهب معاناة من هذا الوضع، هو المذهب الإباضي، الذي ألغي من القائمة عبر العصور، وهمِّش كلية، ودهب الكثيرون إلى تكفير أتباعه ولا يزالون. وحري بنظرة واحدة في مواقع الأنترنات أن تثبت لنا هذا الحكم. فمثلا- الدكتور أبو سليمان صاحب كتاب "منهج البحث في الفقه الإسلامي" أورد هذا الحكم بالتسامح، ولكنه هو نفسه ينقل عن ابن حجر قوله في كتاب "كف الرعاع": «إنَّ كثيرين من المجتهدين الخارجين عن الأئمة الأربعة لا يجوز تقليدهم، كما هو مقرر في كتب الفقه والأصول» فيستثني صاحبنا بالتالي وبطريقة سطحية ساذجة كلَّ ما خالف المذاهب الأربعة، من محور التسامح، ولا يرى في ذلك أيَّ حرج… وهذا ما لا يقر به الحق. انظر- أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم: منهج البحث في الفقه الإسلامي، خصائصه ونقائصه؛ المكتبة المكية، دار ابن حزم؛ مكة المكرمة؛ 1416هـ/1996م.