التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

هذا بين مذهب ومذهب، ولقد ثبت الاختلاف داخل المذهب الواحد، بل عند العالِم الواحد، فيفتي بما يحقِّق، ثم يثبت له نقيض ذلك، ولا حرج عليه.

وكذلك كان مجتهدو الإباضية داخل مذهبهم، يسرَحون بأريحية، ويسمحون لأنفسهم بالاجتهاد دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، توائم مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار ولد ما يعرف بفقه المشارقة، وفقه المغاربة، ونكاد اليوم لا نطالع كتابا متخصصا في الفقه الإباضي، إلاَّ ويصادفنا هذا المصطلح.

ومما يلاحظ في هذا الشأن أنَّ الفقهاء الإباضية بداية من ابن خلفون، وابن بركة، وأبي ستة، ونهاية بالعلاَّمة السالمي في شرح الجامع، والمعارج وغيرها، وبالقطب اطفيش في الذهب الخالص وشرح النيل وغيرها من المؤلفات، كلُّ هؤلاء أسَّسوا لفقه مقارن بمفهوم واسع، جمع بين فقه الإباضية وفقه المذاهب الإسلامية الأخرى. ومن جهة أخرى لا نعرف كتبا من "الفقه المقارن" اعتبرت الفقه الإباضي، ووضعته في الحسبان، فبقيت المقارنة بالتالي داخل إطار مذهبيٍّ محدَّدٍ مسبقا، ولقد نستثني بعض المحاولات المحتشمة التي لا ترقى إلى المستوى الشمولي الواسع، الذي يستجيب لخصوبة وثراء التراث الفقهي الإسلامي، مشرقا ومغربا.

شرح النيل نموذجا:

وفي محاولة من الباحث للولوج إلى هذا الخضم المنهجي العميق، عمل على دراسة نسبة حضور الفقه المشرقي في مصادر الفقه المغربي، واختار "شرح النيل وشفاء العليل" للقطب اطفيش، نموذجا، لعدَّة أسباب، أهمما:

- كونه المعتمد الأساس والأول في فقه المغاربة اليوم.

- كونه أكبرَ موسوعة فقهية في المغرب، على الإطلاق.

- اعتماده الكلي على من تقدمه من الفقهاء المغاربة، فهو بالتالي قد استوعب ما عندهم وزاد عليه.

- الكثير من النصوص الفقهية المغربية المتقدمة متضمنة في شرح النيل، ومستشهد بها، فتحليلنا للشرح هو في ذاته تحليل لهذه النصوص.

٢٨٦ / ٣٣٣