ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٣١٢أقول: لم أقل بانتفاء وصف هؤلاء بهذه المرتبة قطعا، بل استبعدت ذلك، وسبب الاستبعاد قائم، وهو أن المرتبة الوسطى من مراتب الاجتهاد المقيد – صاحبها حافظ لفقه إمامه، يمكنه تقريره وإيضاحه، وقد ألَمّ بطرق من التخريج والتفريع، والترجيح بين الروايات فهل هذه الصفات متحققة فيمن ذكروا من أهل تلك المؤسسات السابقة؟
ثم على فرض تحقق الاجتهاد المقيد، أو فرض عدم تحققه، فما الحل لتلكم المشاكل والقضايا التي تنتظر الحلول وبيان حكم الشرع فيها؟
هذا ما سنتحدث عنه في المبحث الآتي.
المبحث الثالث: ما الذي يجب القيام به نحو الوقائع المستجدة؟
أولا الحديث عن عنوان المبحث: "الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث".
أما الاجتهاد الفقهي فهو ما قدمنا الكلام عليه، عن حقيقته وأقسامه، وما يمكن منه وما لا يمكن، ثم من تجوز له الفتوى ومن لا تجوز له.
ولكن ما المراد بالاجتهاد والتحديث؟
قطعا لا يراد منه الاجتهاد الفقهي المتقدم، لأنه لا يقارن بين الشيء ونفسه.
فإذًا: ما هو؟ وما التحديث؟ وهل هما شيء واحد؟
الذي فهمته بمعونة ما هو سائد في المجتمع هذه الأيام من الحديث عن وقائع معاصرة كنقل الأعضاء، وتشريح الميت، وتلقيح النساء ونحو ذلك – أن المراد استحداث فتاوى شرعية في وقائع جديدة تختلف عن تلك الوقائع التي قد اجتهد فيها المجتهدون السابقون، مرتكزة هذه الفتاوى على أسس الاجتهاد الفقهي بضوابطه وشروطه المعلومة مما تقدم.
هذا فهمي لمعنى الاجتهاد والتحديث، فهما إذا معنى واحد، والمراد إذًا منهما الحداثة في الفتاوى لا في الأساس التي بنيت عليه الفتاوى، فهو قديم على نهج الأسس السابقة.
ويمكن أن يفهم من الاجتهاد والحداثة – على أنهما بمعنى واحد أيضا- تجديد وسائل الاجتهاد وابتكارها على نحو يكفل الحل لمشاكل المجتمع المعاصر المعقدة، بعيدا عن التقيد بتلك القوانين التي اختطها الفقهاء للاجتهاد سابقا.