ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٣١٤ولو فرضنا عدم وجود مجتهد مقيد ينظر في المسائل، فيفتي فيها تخريجا، فالواجب أن يرجع هؤلاء إلى الكتب لعلهم يجدون أحكاما جاهزة لا تحتاج إلى اجتهاد، بل تنقل كما هي، كما قلنا ذلك في حالة وجود الاجتهاد، فان الفقهاء اتفقوا على جواز النقل من غير اجتهاد، وبعدم وجود حكم في هذه الحالة فلا يسع الناس إلا التوقف عن الحكم في تلك المسائل، ويحتاطوا بالابتعاد عن الحكم فيها، أو يجوز لهم الإقدام على إباحة ذلك عند الضرورة فان الضرورات تبيح المحظورات وقد قال الفقهاء إن مواطن الضرورة مستثنى من النصوص. والقرآن واضح في هذا، قال تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير… فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة المائدة:3].
فإن لم يجد حكما ولم يكن من أهل الضرورة فتحرم الفتوى في هذه الوقائع، لأنه قول على الله بغير علم. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الأعراف:33].
فاذا قال قائل: إن الشريعة لا يمكن ن تقف مكتوفة الأيدي حول هذه المسائل. قيل له: هذا صحيح، فإن الشريعة لم تقف، وإنما وقف أهلها مكتوفي الأيدي.
ويحضرني في هذا المعنى قول بعض علماء الشناقطة في جواب مثل هذا القول قال ما معناه:
فإن تكن عدمت تلك المنقبة …قلنا فما على السكوت معتبة
ثم يقال لمن يستبعد الوقوف عن الفتوى، أو ينكر ذلك: لِمَ لَمْ يُقدم الجاهل على مهنة الطب من غير علم بها، ولِمَ لَمْ يُقدم على مهنة الهندسة، فيصف الأول الدواء ويجري العمليات ويخط الثاني الطرق ويشيد المباني؟