ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٣١٥ولِمَ مَنعت الأمة هؤلاء من ادعاء مثل ذلك وجعلته جريمة نكراء، ولم تمنع هؤلاء، وتوقع بهم العقاب؟ ما ذاك إلا لهوان الدين على الناس.
فالحاصل أن الناس والحالة هذه أمام أمرين:
ترك الخوض فيما لا علم لهم به، وهو أخف ضررا.
أو الخوض فيه بغير علم فيضلوا ويضلوا.
نماذج للاجتهاد الذي لم يبن على أسس شرعية:
من ذلك دعوى الاستناد إلى المصلحة في حكم كثير من القضايا التي قضى فيها الشرع بالمنع والتحريم، من غير نظر إلى موافقة تلك المصلحة للنصوص أو معارضتها لها.
وهذا المبدأ ليس مستحدثا في هذا العصر بل قال به الطوفي الحنبلي المذهب الشيعي العقيدة، في القرن الثامن الهجري، والتف حوله كثير من الباحثين تحت شعار التحديث والتجديد.
وخلاصة هذا المبدأ أن المصلحة هي المقصودة للشارع من تشريع الأحكام "فحيثما وجدت فذلكم الشرع"، فإن وافقتها النصوص فبها، وإن عارضتها وكانت نصوصا ظنية فالمصلحة هي المقدمة على النصوص. ولذا يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثَمَّ شرع الله.
والمعروف لدى جمهور المسلمين "فحيثما وجد شرع الله فثمت المصلحة"، وفرعوا على ذلك المعاملات المصرفية فأجازوا القرض بالفائدة، والمعاملات التجارية عن طريق السلْف من البنوك بالفائدة…
ومن أمثلة ذلك قديما ما أفتى به الفقيه المالكي يحيى بن يحيى الليثي بعض أمراء الأندلس عندما اتصل بإحدى حلائله في رمضان، من التكفير بالصوم فقط، ولم يجز له غيره من بقية خصال الكفارة، وهو في هذا مخالف ما هو مقرر شرعا في السنة، وهو تخيير المكفِّر بين الثلاثة: الصيام، والإطعام، والعتق. أو الترتيب بجعل الخصلة الأولى الإعتاق ثم الصيام فالإطعام. والفتوى هذه لم تصادف واحدا من القولين فلذا أنكرها الفقهاء في كل عصر.
وإن كان بعض المالكية التمس لهذا الفتوى مخرجا وهو أن الامير فقير وما لديه من مال هو مال المسلمين فلا يستطيع الإطعام ولا العتق؛ فتعيَّن في حقه الصوم.