ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٤٥ثم تولى الصحابة الكرام مهام الدعوة الدينية وبدأت الفتوح الإسلامية، وظهرت قضايا عديدة، ودخلت في حكم الأمة الإسلامية أمم ذات حضارات، وامتزجت داخلها عناصر مختلفة الجبلة والعادات من أقوام وأجناس، إضافة إلى تفاوت المدارك والعقول، وتشعبت المعارف والعلوم، فظهرت الحاجة الملحة لدفع العلماء من الصحابة نحو الاجتهاد والتفكير لتعريف أحكام تلك الأمور التي عرضت لهم وبيان مراتبها، فرسموا أسسا ومنهاجا للاجتهاد، واضعين نصب أعينهم مرونة هذا الدين الحنيف، وأن شرع الله شامل كامل وحكمه تام عام يستوعب العصور باختلافها، ويحتوي مستجدات الأحداث ومجرياتها. ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حينما أرسله قاضيا في اليمن: بم تقض؟ قال: بكتاب الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله»(1).
بل أقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته على الاختلاف الفقهي حين دعاهم إلى الخروج إلى بني قريظة وقال لهم: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فخرجوا مسرعين فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فاختلفوا، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك له - صلى الله عليه وسلم - فأقرّ كلاًّ منهم(2).
وقد سلك الصحابة رصي الله عنهم في الاجتهاد طريقين:
(1) – أخرجه أبو داود، في الأقضية، عن معاذ، حديث 3592-3597.، والترمذي في الأحكام، حديث 1327-1328؛ وقال: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وفيه أبو عون الثقفي، اسمه محمد بن عبيد الله، وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، ج1، ص202، وصححه.
(2) – أخرجه البخاري عن ابن عمر، في المغازي، حديث 4199.