التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

الأول: عليه القياس – والثاني: عليه المصلحة.

فوجد منهم من اشتهر بالاجتهاد ومهّد لمدرسة الرأي على منهاج القياس، مع الأخذ أحياناً بالمصلحة، ومن هؤلاء الذين دوّن عنهم الفقه عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، فورَّثا فقهاء الكوفة من التابعين ومن جاء بعدهم من الأئمة المجتهدين ذلك المنهج من الاجتهاد بالرأي.

ووجد من الصحابة من اشتهر بالاجتهاد عن طريق المصلحة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب، وبخاصة إذا كان موضوع الاجتهاد يتعلق بإدارة الدولة وتسير أمورها وتنظيم شؤونها.

الفقه في عصر التابعين ومن بعدهم:

وبعد الصحابة الكرام جاء عصر التابعين، الذين وجدوا بين أيديهم ثروتين عظيمتين من الرواية والاجتهاد الفقهي، فعملوا على الجمع بين هاتين الثروتين، يساعدهم في ذلك أن كل تابعي كان تلميذا لصحابي أو أكثر. ولم يقفوا عند هذا القدر بل كانوا يجتهدون فيما ليس فيه نص من قرآن أو سنة أو إجماع، أو لم يكن للصحابة رأي فيه.

وفي تلك الحقبة ظهرت الحاجة إلى تدوين الصحيح الثابت من الأحاديث النبوية وغيرها، وبذلك اتسعت الفرجة في منهاج التابعين حتى ظهر نوعان من الفقه فقه الرأي وفقه الأثر، فأهل الأثر كانوا لا يأخذون بالرأي إلا اضطرارا، ولا يفرعون في المسائل، أما أهل الرأي فإنهم كانوا يكثرون من الإفتاء في المسائل بالرأي، ما لم يصح لديهم حديث فيما يجتهدون فيه، وكان البعض لا يكتفي بوضع أحكام الوقائع، بل يفرضون مسائل غير واقعة ويضمون لها أحكاما بآرائهم، مقيدة بقواعد مقتبسة من الكتاب والسنة.

وبذلك نشأت مدرستان فقهيتان عظيمتان لكل منها خواصها، وهكذا تكونت مذاهب فقهية في كل قطر من الأقطار، حتى صار لكل عالم من علماء التابعين وتلاميذهم من الأئمة المجتهدين مذهب، وانتصب في بلد إمام.

٤٦ / ٣٣٣