ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٤٧وبالرغم من بروز هاتين المدرستين في عهد الصحابة والتابعين، فلم يكن الخلاف كثيرا لقلة ما ينزل بهم من حوادث في عصر صدر الإسلام وسائر العصر الأموي. فكان الفقه هو نصوص القرآن والسنة المتبعة وما أجمع عليه الصحابة مما سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو رواه لهم غيرهم، أو ما صدر عن آرائهم من الفتاوى بعد البحث والاجتهاد.
ثم جاء العصر العباسي فظهرت فيه طوائف الفقهاء وتميزوا بهذا الاسم بعد أن كانوا يعرفون بالقراء، فقام فيهم زعماء مميزون كان لكل منهم خواص ومميزات تميزه عن غيره، كما أن لكل منهم قواعده وأسسه التي بنى عليها فتاويه، وأقام عليها مذهبه.
وكان الفقهاء يتمتعون بحرية الرأي، والاجتهاد في البحث العلمي والاستنباط، فقد كان لكل من استكمل أدوات الاجتهاد أن يجتهد في تعريف الحكم والوصول إليه من مصادره، ويذهب إلى ما يطمئن إليه دون أن تتحكم فيه سلطة أو يجبر عليه في رأيه(1).
وقد استتبع حرية الاجتهاد تباين مناهج البحث ومسالك الاجتهاد، وطرق استنباط الحكم والنتيجة التي يتوصل إليها المجتهد(2).
وقد بلغ الاجتهاد الفقهي ذروته في هذا العصر، شجع على ذلك خلفاء بني العباس وأسهم فيه كثرة العلماء ونهوض حركة إعمال الرأي، وقد ترتب على هذا الجدل وتلك المناظرات بين الفقهاء أن اتسعت هوة الخلاف بينهم وبعد مداه، فشمل شيئا من الإجماع وقال بعضهم: إنه لا يتحقق، ومنهم من يقف عند القياس ولا يأخذ به.
(1) – تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، صوفي أبو طالب، ص30.
(2) – الفقه الإسلامي، سلام مدكور، ص91.