ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٤٨وكان لاتساع الدولة الإسلامية في خلافة بني العباس وما ضمت من شعوب مختلفة الحضارات والثقافة، والعادات والنظم الاجتماعية والمعيشية والتعاملية، دور بارز في كثرة الوقائع وتنوعها، وقد دفع الفقهاء المجتهدين إلى تمحيص هذه الوقائع على ضوء أحكام الإسلام، يقرون ما يرونه داخلا في نظام الأحكام وينكرون ما يخالفها وقد أثرى ذلك الفقه الإسلامي بصنوف من أحكام الحوادث والمعاملات التي لم تكن معهودة من قبل، كما ظهر نتيجة لذلك اختلاف بين الفقهاء في توجيه الحادثة أو الواقعة، كل على حسب ما يرى في ضوء الكتاب والسنة(1).
ولا يخفى أن الأحكام الشرعية في مصادر الشريعة جاءت مجملة، تحتاج في فهمها واستنباط الأحكام منها إلى شيء من الفكر والتأمل. والعقل والبشري يختلف في طاقاته وقوته، تبع ذلك تفاوت الفقهاء في فهم أسرار الشريعة فاختلف قياسهم لاختلاف فهمهم(2).
وعلى أثر هذا تعددت المذاهب والفقهية، وانتشرت في كل مصر من الأمصار، وكتب لبعضها البقاء والاستمرار، وتزايد أتباعها عبر الزمان، لما توافر لها من بيئة علمية صالحة استطاعت أن تختص هذه المذاهب وتنشرها، وأن يصبح لكل مذهب مريدون وأتباع من مختلف بلدان العالم الإسلامي.
نعم.. لقد واكب نشأة هذه المذاهب الفقهية تصنيف كتب الاختلاف التي تعتبر أساس الدراسات الفقهية المقارنة (الموازنة)، ويمكن تقسيم هذه الكتب من حيث ظهورها وتطورها إلى ثلاث مراحل، كل مرحلة لها فترة زمنية تقربها، ومساحة تاريخية تحصرها، ولها أيضا خصائص فكرية تميزها وسمات علمية تكشفها.
(1) – الفقه الإسلامي وتطوره، جاد الحق علي جاد الحق، ص80-81.
(2) – الفقه الإسلامي، سلام مدكور، ص91.