ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٥٢أخبرنا مالك أنه بلغه عن عائشة أنها قالت: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي». قال الشافعي تعني في الإثم وإن أخرجت عظام ميت أحببت أن تعاد فتدفن، وأحبّ ألا يزاد في القبر تراب من غيره، وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس، إذا زيد فيه تراب من غيره ارتفع جدا وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرا أو نحوه، وأحب ألا يبنى ولا يجصص، فان ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والانصار مجصصة. قال الراوي عن طاوس: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تبنى القبور أو تجصص. قال الشافعي وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها، فلم أر الفقهاء يصيبون ذلك، فان كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم، أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء إن بني منها، وإنما يهدم إن هدم مالا يمكنه أحد هدمه، لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيطبق ذلك بالناس قال.... وطء القبر والجلوس والاتكاء عليه إلا أن لا يجد الرجل السبيل إلى قبر ميته إلا بأن يطأه فذلك موضع ضرورة، فأرجو حيننئذ أن يسعه إن شاء الله تعالى. وقال بعض أصحابنا: لا بأس بالجلوس عليه، وإنما نهى عن الجلوس عليه للتغوط. قال الشافعي: وليس هذا عندنا كما قال»(1).
فهذه النصوص تمثل النضج الفكري في الاستنباط الفقهي في تلك المرحلة من حيث ذكر المسألة وحكاية الخلاف فيها وبيان الراجح منها مع الدليل والتعليل. وهي كما أشرنا تعد مرحلة التأسيس والتقعيد من هؤلاء الأئمة المتبوعين التي استنار بها ونهل منها من جاء بعدهم، وإن أضافوا إليها وجددوا فيها، فلكل عصر عطاؤه ولكل زمن حاجاته، ولكل مرحلة سماتها، ولكل أمة صفاتها "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
المرحلة الثانية:
(1) – انظر: الأم، للإمام الشافعي، ج1، ص277-278، باختصار، دار المعرفة، بيروت، لبنان.