التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٥٧

ومن الكتب التي ظهرت في هذه الفترة واستمرت شهرتها بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الأندلسي المتوفى 595 هـ، وهو عمدة الباحثين في دراسات الفقه المقارن (الموازن)، فقد سلك مسلكا رائعا في توضيح المسائل وعرضها، بعد دراسة المقصود، ثم يتناول هذه الأدلة والأفكار بالتمحيص والتحقيق، ويبين سبب الاختلاف مع الترجيح والتدليل.

كما جاء في الكلام عن غسل اليدين في الوضوء حيث قال: اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ وأيْدِيَكُم إِلَى المرَافِقِ ﴾ [سورة المائدة:6]. واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعض أهل الظاهر وبعض متأخري أصحاب مالك والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل. السبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف "إلى" وفي اسم "اليد" في كلام العرب، وذلك أن حرف "إلى" مرة يدل في كلام العرب على الغاية، ومرة يكون بمعنى "مع"، ومن فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل، ومن فهم من "إلى" الغاية، ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلهما في الغسل. وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضو، ثم اليسرى كذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ».

وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل، لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء، وجب الاقتصار على أحد المعنيين إلا بدليل.

وإن كانت "إلى" من كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى "مع"، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد.

٥٧ / ٣٣٣