التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٦٦

والذي أراهُ أنّ الأمر جرى على غير هذا النحو. فقد كان الصحابة والتابعون يختلفون في المسألة أو المسألتين الاجتهاديتين، ويحصل اتفاقٌ بعد ذلك أو لا؛ دون أن يؤثر ذلك كثيراً فيهم. مثل إصرار عمر بن الخطّاب على عدم قسمة الأَرَضين المفتوحة عنوةً بين المقاتلين، وجعلها خراجاً للمسلمين. ومن مثل إصرار ابن عباس على إباحة ربا الفضل. ومن مثل اختلافهم في توريث الإخوة مع الجدّ؛ حيث ذهب أبو بكر وجماعةٌ معه إلى توريثهم قياساً على الأب؛ بينما ذهب علي وابن مسعود وزيد بن ثابت إلى عدم توريثهم(1).

ولا نرى علاقةً قويةً بين اختلاف الصحابة والتابعين من جهة، واختلافات القرنين الثاني والثالث. ففي تلك الفترة التي سميناها مرحلةً أولى (150-250هـ) كانت التوجهات الفقهية في الأمصار، تتحول إلى مذاهب فردية (حنفي ومالكي وأوزاعي وشافعي وحنبلي وزيدي وإباضي.. الخ)(2)؛ فكانت وظيفةُ التأكيد على الاختلاف إيضاح حدود المذهب أو تحديد الطابع العامّ له من طريق التمايُز.

أما في المرحلة الثانية فقد بدأ التقعيد الفقهي والأصولي (الأدلة والقواعد)، ولذلك اتجه الفقهاء للإفادة من الفرصة، أي اتجه كل مذهبٍ للإفادة من المذهب الآخر. وعاد الاشتباك في المرحلة الثالثة لإثبات الوجود والاستتباب في الأوقاف وفي المدارس وفي ولاية القضاء.. الخ(3).

ثانياً: مشروعية الاختلاف:

(1) – اختلاف الفقهاء للطبري، ص 124، والقوانين الفقهية لابن جزي، ص 211، ونيل الأوطار للشوكاني 5/191،والموافقات 4/112.

(2) – وائل حلاّق: النظريات الفقهية الإسلامية ( بالإنجليزية)، 1997، ص ص 223-246.

(3) – مصطفى سعيد الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، 1985، ص 314 – 316.

٦٦ / ٣٣٣