التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٦٧

يقول الشافعي (-204هـ) في الرسالة(1): «قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورِهم، فهل يسعُهُمْ ذلك؟ قال؛ فقلتُ له: الاختلافُ من وجهين أحدُهما مُحَرَّمٌ، ولا أقولُ ذلك في الآخَر. قال: فما الاختلافُ المحرَّم؟ قلتُ: كلُّ ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيّه منصوصاً بيّناً، لم يحلّ الاختلاف فيه لمن علمه. وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويُدْرَكُ قياساً فذهب المتأوّل أوالقايسُ إلى معنىً يحتمله الخبر أو القياس، وإنْ خالفه فيه غيره؛ لم أقل إنه يضيقُ عليه ضيق الخلاف في المنصوص. قال: فهل في هذا حجةٌ تبيّن فرقك بين الاختلافين؟ قلتُ، قال الله في ذمِّ التفرق: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [سورة البينة:4]. وقال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [سورة آل عمران:105]. فذمّ الاختلاف في ما جاءتْهم به البيّنات. فأمّا ما كُلّفوا فيه الاجتهادَ فقد مثلْتُهُ لك بالقِبلة والشهادة وغيرها…».

وبذلك يكونُ الشافعيُّ قد أقرَّ الاختلافَ الاجتهاديَّ في الفرُوع، وهو ما كان يقومُ به هو نفسُه، وذمّ الاختلاف في الأصول والعقائد. والحَكَمُ عنده بين الأمرين في وجود النصّ أو الدليل أو عدمه. فعندما يكونُ هناك نصٌّ محكم لا يجوزُ الاختلافُ حوله، وعندما لا يكونُ يصبحُ الاجتهادُ ضرورياً، ومع الاجتهاد يحصُلُ الخلاف، الذي لا بُدَّ من التسليم بضرورته أيضاً(2).

(1) – الشافعي:الرسالة. تحقيق أحمد شاكر، 1940، ص 560 – 561.

(2) – محمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، مرجع سابق، ص ص 215- 219.

٦٧ / ٣٣٣