ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٦٨…والطريف أنّ ابن حزم (-456هـ) هو الذي أثار هذا الغبار حول تحريم الاختلاف في كل شيئ؛ فقال في كتابه: الإحكام في أصول الأحكام: «الاختلافُ لا يَسَعُ ألبتّة، ولا يجوزُ. إنما الفرضُ علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دينَ الإسلام، وما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الذي أمره الله تعالى ببيان الدين»(1).
وأورد ابن حزم حُججاً عقليةً ونقليةً للقائلين بالاختلاف ثم راح يَرُدُّ عليها. ولذلك فقد التزم كلُّ الذين احتجوا للاختلاف والاجتهاد بالردّ عليه، أو على من لا يقول بجواز الاختلاف. وكان من بين هؤلاء ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقّه"، والآمدي في "الإحكام"، وابن قيّم الجوزية في "إعلام الموقّعين".
…والواقعُ أنّ إثارة المشكلة أتت من مكانٍ آخَر هو قولُ عبيد الله بن الحسن العنبري(-168هـ) إنّ كلَّ مجتهدٍ مُصيب، وهذا إقرارٌ من جهةٍ بأنّ الاختلاف جائزٌ مطلقاً، ومن جهةٍ أُخرى أنه لا خطأ أو صواب في الاجتهاد، وإنما تتساوى الآراء صحةً لتساوي العقول، وانفتاح المجال في ما لا نصَّ فيه. ولذلك انصبَّ جهد أُصوليي الفقهاء على الرد عليه، باعتبار أنَّ الحقَّ في واحد، مع حصول الأجر للمجتهد المخطئ كما يردُ في الحديث المعروف(2).
(1) – ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، 5/840 – 846.
(2) – محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي في الفقه الإسلامي. اعتنى به أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، بيروت 1995، 4/504.