ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٦٩…ومع جواز بل ضرورة الاختلاف في الفروع، يبقى أنّ هناك اختلافاً مذموماً لا ينحصرُ في القول إنه غير جائزٍ في الأصول؛ هو الاختلاف المتأثّر بالأهواء أو بالجهل أو عدم وصول الدليل أو التأويل البعيد أو المخالف لدليلٍ قطعي أو لأحد الأصول المقطوع بها في الشريعة. وقد ركّز الشاطبي في "الموافقات" على هذا النوع من أنواع الاختلاف المردود في الفتاوى؛ فقال: «لا يجوزُ ولا يسوغ ولا يحل لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلاّ بالحقّ الذي يعتقد أنه حقٌّ، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه. وإنما المفتي مُخْبرٌ عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلاّ بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاةُ والسلام: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [سورة المائدة:49]. فكيف يجوزُ لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي أو يفتي به عمراً لصداقةٍ تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أنَّ الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحقّ فيجتهد في طلبه، ونهاهُ أن يخالفه وينحرف عنه. وكيف له الخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلاّ بتوفيق الله وعونه وعصمته»(1).
ثالثاً: أسباب الاختلاف:
هناك ثلاثة أسبابٍ رئيسيةٍ للاختلاف الفقهي، تتفرع عليها فروعٌ كثيرة.
(1) – الشاطبي: الموافقات 4/90.