ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٩٣بعد تلك المقدمة في نشوء المدرستين النزوانية والرستاقية والترجمة البسيطة لإمامي تلك المدرستين، مع بيان إسهامات المدرستين الفكرية، نأتي في هذا المبحث للتعرض إلى الاختلافات الفقهية بين المدرستين:
المطلب الأول منهج الإباضية الفقهي:
أقام الإباضية منهجهم الفقهي على مصادر التشريع المعروفة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، ولديهم مصادر تبعية مثل الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا(1).
ولم يعتمدوا على تقليد الآخر، بل جعلوا باب الاجتهاد مفتوحا كلما جاء عالم رأي ما ذكره من سبقه واجتهد رأيه.
وكانوا يتبعون الدليل كما قال الشيخ السالمي في قصيدته كشف الحقيقة:
فنأخذ الحق متى …تراه…لو كان مبغضا …لنا أتاه
والباطل المردود …عندنا ولو…جاء الخل …الذي له اصطفوا
فهَمُّهُم الحق لا تقليد الرجال، وهم أبعد ما يكونون من الباطل، ولو جاء به أقرب الناس إليهم، لذا لم يعرفوا التقليد الأعمى، بل عرفوا اتباع الدليل، وتناثرت الكثير من الكلمات المؤيدة لذلك مثل "الحق أحق أن يتبع"، "والرسول هو القدوة"، وغيرها من خلال فتاواهم وتحقيقاتهم العلمية. وليس أول على ذلك من أن المذهب ينسب إلى عبد الله بن إباض ولا نجد مسائل فقهية تنسب إليه من خلال التحقيقات الفقهية لعلماء المذهب، بل كان إمامهم الإمام جابر بن زيد، وربما خالفه أقرب تلامذته إليه مثل أبي عبيدة والربيع ونحوهم.
والمتابع لمنهج الإباضية الفقهي والأصولي يدرك هذا. ولسنا بصدد هذه المسألة في هذا البحث المتواضع، ولكن نريد من هذه المقدمة التأكيد على أن المدرستين النزوانية والرستاقية عرفتا في مسألة واحدة فقط، وهي مسألة الولاية والبراءة، للقضية الناشئة في زمن الإمام الصلت بن مالك.
(1) – انظر مهني التواجني، أشعة الفقه الاسلامي، منشورات معهد العلوم الشرعية، 1422هـ / 2001 م، ص 95.