ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٩٥بيّن الإمام أبو سعيد الكدمي إمام هذه المدرسة رأيه في الفتنة الدائرة بصراحة من خلال كتابه الذي ألّفه في هذا، وهو أن هذه المسائل كلها من باب الدعاوى، وأخذ يضرب أمثلة على ذلك بقوله: إن من العلماء من تولى موسى بن موسى وراشد بن النظر، ومنهم من وقف عنهما، ومنهم من تبرأ منهما، ولم يتبرأ المتولى لهما من المتبريء منهما، ولم يتبرأ المتبرئ منهما من المتولي لهما، وذلك دليل على هذا ولو كان من الدين بحيث يجب أن يتبرأ منهما ويتبرأ منها لم يتبرأ منهما؛ لما فعله العلماء السابقون؛ أمثال الفضل بن الحواري، والحواري بن عبد الله، ومحمد بن الحواري، ومحمد بن جعفر، والأزهر بن محمد بن جعفر، وبشير وعبد الله أبناء محمد بن محبوب، والكثير من العلماء. وإنما ظهر القول بوجوب البراءة منهما على يد ابن بركة، في الخلف الثالث لمن عاصر الفتنة ولذلك يأخذ أصحاب هذه المدرسة بالقول القائل: إنه لا يجب البراءة منهم، وإن هذه المسائل من مسائل الأحكام قد يصيب فيها المرء وقد يخطيء (1).
ثانيا: رأي المدرسة الرستاقية:
يتلخص رأي الإمام ابن بركة في أن إمامة الصلت بن مالك ثابتة شرعا، ولا يجوز الخروج عليها، وتجب طاعة الإمام. وأن موسى بن موسى وراشد بن النظر ومن معهم بغاة؛ خرجوا على الإمامة المجمع عليها، وتجب البراءة من موسى بن موسى وراشد بن النظر، وتجب براءة من لم يتبرأ منهما.
وبسبب هذه القضية أصبح الجدل واسعا بين المدرستين، وألفت الكتب والرسائل كما تقدم ذكره، ونتج عن ذلك تأصيل علمي، وبحث دقيق لأحكام الولاية والبراءة والوقوف، وأحكام الإمامة، وموجبات عزل الإمام، مما أثرى المدرسة الفكرية في عُمان،
وكانت مع مرور الأيام موردا لتلقي العلوم في المجال السياسي، وفي مباحث الولاية والبراءة من الأشخاص.
(1) – انظر الكدمي، الاستقامة، ط وزارة التراث، سلطنة عمان، ج1، ص 218 وما بعدهما.