ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٩٨هذا هو رأي الإمامين وهناك فرق بسيط فالإمام أبو سعيد يرى وجوب تحكيم العقل عندما تقوم الحجة بسبب ما، فيأتي دور العقل لبيان كيف يؤدي هذا الفعل، ورأي ابن بركة فيرى حتى قبل قيام الحجة وجوب فعل ما يجب عليه أن يفعل، بحسب ما يحسن في عقله، ويترك ما يقبح، بشرط أن يكون من رأي العقل السليم، وهذان الرأيان يختلفان بلا شك عن رأي المعتزلة، إذ إن الإمامين قالا بتحكيم العقل عند عدم الشرع، فإذا وجد الشرع بطل حكم العقل، وعدل إلى حكم الشرع، وأما المعتزلة فقالوا بتحكيم العقل ورد الشرع أم لم يرد.
وكذلك اختلفا في قيام الحجة بالعالم الواحد فيما يسع جهله من الأحكام، فاختار الإمام أبو سعيد أنه حجة، واختار أبو محمد انه غير حجة بنفسه حتى يكون معه غيره، وكان رأي العلماء السابقين الوقوف. وقال الشيخ السالمي: هو الأسلم(1).
وهناك مسألة أخرى شبيهة بهذه، وهي هل تقوم الحجة بجميع من عبر ذلك في معرفة الفعل المؤقت؟ فذهب النزوانية إلى أن جميع من عبر يعتبر حجة، سواء أكان هذا المعبِّر مسلما أم مشركا أم صبيا أم سمعه من طائر بنفس، بشرط أن يفهم تلك العبارة في وقت الأداء، أو يفهمها قبل الوقت فلم ينسها حتى دخل الوقت.
وذهب الرستاقية الى أن غير العدل لا يكون حجة في ذلك وإن دخل الوقت.
واستدل النزوانية بقوله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحق ممن جاءك به؛ بعيدا كان أو قريبا، وردّ الباطل على من جاء به مبغضا كان أو حبيبا».
واستدل الرستاقيون بقوله تعالى: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [سورة الحجرات:6]. فهذا أمر بالتبيّن عن خبر الفاسق دليل على عدم حجيته.
واستدلوا كذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ [سورة النساء:141].
(1) – انظر: السالمي، العقد الثمين؛ السالمي، جوابات نور الدين السالمي ج1 ص204 مكتبة الضامري للنشر، ط الأولى 1413 /1993.