بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩وذلك لأن مبنى الشريعة الإسلامية على التيسير ورفع الحرج، وقد دل على هذا المقصد آيات كثيرة منها قوله عز وجل: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾(1) ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ﴾(2) و ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾(3) .
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾(4) ، ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾(5) .
ومن أحاديث مصطفى- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وضع الحرج»، و«إن هذا الدين يسر».
ولهذا كله وقف الإمام أبو سعيد اتجاه هذه الرواية وقفة تأمل جعلته يشكك في صحتها. ومع فرض التسليم بصحتها وثبوتها، فالحديث لابد من تأويله على الوجه الذي لا يصادم آيات الكتاب العزيز وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-الناصة على رفع الحرج ودفع المشقة، فالله لا يخاطب العباد بما يشق عليهم، والرواية السابقة تقتضي التكليف بما لا يطاق. والتكليف بما لا يطاق يمثل أقصى أنوع المشقة وأرفع دراجات الحرج على المكلف.
وفي مسألة الجنب الذي يخشى البرد على نفسه إذا اغتسل، يقول أبو سعيد: "…وأشدها- أي الأقوال - ما قال: إن عليه الغسل ولو مات، وهذا ما لا يخرج عندي على معنى الأصول، لأن الله تبارك وتعالى لم يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا يقتضي أنه حمل عليه فوق طاقته"(6) .
فقد شدد النكير على من يقول بوجوب الغسل عليه مع وجود تلك المشقة المهلكة. لأنه مصادم بهذا القول لمقصد الشارع من التيسير على العباد رحمة ورأفة بهم، فاليسر والسهولة سمة بارزة في أحكام الشريعة.
(1) - البقرة، آية 286.
(2) - الطلاق، آية 7.
(3) - الحج، آية 78.
(4) - البقرة، آية 185.
(5) - النساء، آية 28.
(6) – الزيادة على الإشراف نقلا من بيان الشرع 9/ 100 طبع وزارة التراث والثقافة.