الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٨١.........................................................
----------------------
يَسْمَعُ، وَلَا يَفْعَلُ عِنَادًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ الْمُضْطَرِّ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ؟ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَطَاعَ فَعَلَ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَطِيعَ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ.
وَإِنْ قَالَ: قَطَعْتُمْ الْعُذْرَ بِلَا سَمَاعٍ فِي التَّوْحِيدِ، قُلْنَا، قَدْ قَطَعْتَهُ بِلَا سَمَاعٍ فِي الْفَرَائِضِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَوْرًا فَقَدْ نَسَبْتَهُ إلَى اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَكَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلتَّوْحِيدِ أَيْ مُجْبَرٍ، وَمَا كَانَ كَثِيرُهُ جَوْرًا فَالْقَلِيلُ مِنْهُ جَوْرٌ أَيُكَلَّفُ عِنْدَكَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَالْكَثِيرُ الْفَرَائِضُ وَالْقَلِيلُ التَّوْحِيدُ وَلَمْ يَعْكِسْ هَذَا؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ عِنْدَهُ لَا يُوجَدْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ، وَلَا يَلْزَمُنَا النِّسْبَةُ لِلْجَوْرِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَنَا الْإِلْزَامُ فِيمَا لَمْ يُسْمَعْ وَالْكَافِرُ مُسْتَطِيعٌ إذْ كَانَتْ عِنْدَهُ آلَاتُ الْإِدْرَاكِ فَلَزِمَهُ التَّخَلِّي عَنْ الْكُفْرِ الشَّاغِلِ عَنْ الْإِيمَانِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: الْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ سَمِعُوا إمَّا فِي الطُّفُولِيَّةِ أَوْ فِي
الْبُلُوغِ مِنْ لِسَانِ آدَمِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ جَمَادٍ يُنْطِقُهُ اللَّهُ، وَمَا سَمِعُوا فِي الطُّفُولِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ يَبْقَى إلَى الْبُلُوغِ وَلَا بُدَّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَعَنْ سَعِيدٍ الْحَذَّاءِ: حُجَّةُ اللَّهِ قَامَتْ فِي التَّوْحِيدِ وَالرَّسُولِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعُوا وَلَوْ كَانُوا عَلَى دِينِ نَبِيٍّ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُكَ أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْقَدَرِ: الْحُجَّةُ الْعَقْلُ وَحْدَهُ، وَقَدْ عِبْتَ أَنْتَ وَأَنَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْقَدَرِ هُمْ أَهْلُ الْفِكْرِ.
وَأَجَابَ سَعِيدٌ بِأَنَّ أَهْلَ الْفِكْرِ يَقُولُونَ: حُجَّةُ اللَّهِ مَوْجُودَةٌ فِي عُقُولِ الْمُكَلَّفِينَ يَكْتَفُونَ بِأَفْكَارِهِمْ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مَا لَمْ يَسْمَعُوا، وَلَا يُوجِبُونَ مَعْرِفَةَ الرَّسُولِ حَتَّى يَسْمَعُوا بِهَا، وَأَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ قَدْ وَافَقْتَهُمْ إذْ قُلْتَ: إنَّ حُجَّةَ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ قَائِمَةٍ إلَّا بِالسَّمَاعِ كَأَنَّكَ عَذَرْتَ مَنْ جَهِلَهُ، وَلَوْلَا قَوْلُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ: بِأَنَّ النَّاسَ قَدْ سَمِعُوا لَدَخَلْتَ فِيمَنْ