شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٩١

.............................................. ز

-------------

وَالشَّاتِمُ لَهُ بِالشِّرْكِ لَا يَكُونُ بِشَتْمِهِ بِهِ مُشْرِكًا بَلْ مُنَافِقًا، وَأَمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْكُفْرِ النِّفَاقَ فَأَظْلَمُ بِمَعْنَى ظَالِمٍ؛ لِأَنَّ الْمَشْتُومَ لَا يَعْصِي أَصْلًا بِقَوْلِهِ: أَنْتَ الْكَافِرُ؛ لِأَنَّ شَاتِمَهُ قَدْ كَفَرَ بِشَتْمِهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَشْيَاءَ لَا تَجُوزُ الْمُقَابَلَةُ بِهَا كَالْغِيبَةِ، لَا تُقَابَلُ الْغِيبَةُ بِالْغِيبَةِ، وَلَا الشِّرْكُ بِالشِّرْكِ، وَلَا الْقَذْفُ بِالْقَذْفِ، وَلَا التَّجَسُّسُ بِالتَّجَسُّسِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ مُقَابَلَةُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ مِنْ سُوءٍ وَبِمَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ فِعْلُهُ، وَلَا السَّبُّ بِالسَّبِّ، مِثْلَ السَّبِّ بِالْآبَاءِ أَوْ الْأُمَّهَاتِ أَوْ بِالْقَبَائِلِ أَوْ بِالصَّنَائِعِ.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الْمُتَسَابَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ﴾، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِنْ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِمَا فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا فِيهِ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمَّا بَدَأَ يَنْتَصِرُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكَ كُنْتَ سَاكِتًا لَمَّا شَتَمَنِي فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ قُمْتَ،، قَالَ ﴿كَانَ يُجِيبُ عَنْكَ مَلَكٌ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ الشَّيْطَانُ﴾، وَقَالَ قَوْمٌ تَجُوزُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا لَا كَذِبَ فِيهِ، وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّعْيِيرِ بِمِثْلِهِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَنَحْوِهِ، وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ لَكِنَّهُ لَا يَعْصِي بِهِ، وَاَلَّذِي رُخِّصَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَنْتَ وَهَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي فُلَانٍ، قَالَ سَعْدٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي هُذَيْلٌ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ؟ وَمِثْلُ قَوْلِهِ: يَا

أَحْمَقُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ النَّاسِ أَحْمَقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسَ أَقَلُّ حَمَاقَةً مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَا يَا جَاهِلُ إذْ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ جَهْلٌ، وَكَذَا يَا سَيِّئَ الْخُلُقِ يَا صَفِيقَ الْوَجْهِ يَا ثَلَّابًا لِلْأَعْرَاضِ، وَمَا أَحْقَرُكَ فِي عَيْنِي بِمَا فَعَلْتَ، وَلَوْ كَانَ فِيكَ حَيَاءٌ مَا تَكَلَّمْتَ بِهَذَا.

١٠٬٠٢٩ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.