شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٠٧

.................................................

----------------------

وَلَا يَخْفَى أَنَّ حُرْمَةَ نَحْوِ

الرِّئَاءِ وَالْإِعْجَابِ مِنْ الدِّينِ كَالسَّرِقَةِ، وَفِي كِتَابِ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ: الْغِيبَةُ تَعُمُّ ذِكْرُ عُيُوبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَكِنْ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ عِنْدَ عُلَمَائِنَا.

فَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ قَاضِي خَانَ وَذَكَرَ عَنْهُ: الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَضُرُّ النَّاسَ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَذِكْرٌ بِمَا فِيهِ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَإِنْ أَخْبَرَ السُّلْطَانَ بِذَلِكَ لِيَزْجُرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ رَجُلًا يَذْكُرُ مَسَاوِئَ أَخِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً، إنَّمَا الْغِيبَةُ: أَنْ يَذْكُرَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ يُرِيدُ بِهِ السَّبَّ، قَالَ: فَذِكْرُ الْعَيْبِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَوْ لِلِاسْتِفْتَاءِ أَوْ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ شَرِّهِ أَوْ التَّعْرِيفِ كَالْأَعْرَجِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِغِيبَةٍ، وَلَا غِيبَةَ لِلْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ، وَتَكُونُ الْغِيبَةُ أَيْضًا بِالْقَلْبِ وَهِيَ ظَنُّ السَّوْءِ إذَا ظَنَّ سَوْءًا أَوْ أَبْقَى نَفْسَهُ عَلَى الظَّنِّ وَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَحْقِيقِ الظَّنِّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ﴾ أَيْ: لَا تُحَقِّقْ بِعَقْدٍ وَلَا فِعْلٍ لَا فِي الْقَلْبِ وَلَا فِي الْجَوَارِحِ، أَمَّا فِي الْقَلْبِ فَبِتَغَيُّرِهِ إلَى النَّفْرَةِ وَالْكَرَاهَةِ فَإِنَّ أَمَارَةَ عَقْدِ الظَّنِّ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقَلْبُ مِنْهُ عَمَّا كَانَ فَيَنْفِرُ نُفُورًا مَا وَيَسْتَثْقِلُهُ وَيَفْتُرُ عَنْ مُرَاعَاتِهِ وَتَفَقُّدِهِ وَإِكْرَامِهِ وَالِاغْتِمَامِ بِسَبَبِهِ.

وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَقُولَ: هُوَ رَجُلٌ مَسْتُورُ الْحَالِ وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ، فَمَا دُمْتَ لَمْ تُشَاهِدْ مُشَاهَدَةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَالْأَمْرُ مَسْتُورٌ، وَدَعْهُ فِي السِّتْرِ وَأَعْرِضْ عَمَّا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ أَفْسَقُ الْفُسَّاقِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ بَلْ لَوْ حَكَى

عَدْلٌ وَاحِدٌ لَكَانَ السِّتْرُ بَاقِيًا أَيْضًا، فَلَوْ كَذَّبْتَ هَذَا الْعَدْلَ أَيْضًا لَكُنْتَ أَحْسَنْتَ الظَّنَّ بِوَاحِدٍ وَأَسَأْتَهُ بِآخَرَ، بَلْ إنْ احْتَمَلَ الْعَدْلُ التَّأْوِيلَ فَاحْمِلْهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ خَبَرُ الْعَدْلِ مِمَّا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ تَبَرَّأْتَ مِنْهُ لَا مِنْ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ

١٠٬٠٤٥ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.