شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٠٨

........................................

----------------

يَتَبَرَّأُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَيُنَاسِبُ أَنَّ الْغِيبَةَ تَكُونُ بِالْقَلْبِ، أَنَّ عَابِدًا سَأَلَ عَالِمًا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ عَلَى التَّوَرُّعِ فَقَالَ الْعَالِمُ فِي قَلْبِهِ: أَبَقِيَ مِنْ يَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا؟ فَقَالَ الْعَابِدُ: الْغِيبَةُ حَرَامٌ، وَظَهَرَ لَهُ فِي أَرْضٍ مِنْ الذَّهَبِ وَغَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَرَهُ.

وَإِذَا نَصَحْتَ إنْسَانًا بِعَيْبِهِ فَاحْذَرْ أَنْ تَفْرَحَ بِإِطْلَاعِكَ عَلَيْهِ وَأَنْ تَقْصِدَ التَّرَفُّعَ عَلَيْهِ وَتُذْلِلْهُ لَكَ وَإِلَّا فَذَلِكَ غِيبَةٌ، وَاحْذَرْ أَنْ يَغُرّكَ الشَّيْطَانُ فِي الظَّنِّ فَيَقُولُ: إنَّكَ شَدِيدُ التَّيَقُّظِ لِلْأَحْوَالِ، سَرِيعُ الْفَهْمِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ بِنُورِ اللَّهِ يُبْصِرُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ غُرُورٌ بَلْ الْإِذْعَانُ لِلظَّنِّ ظُلْمَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَغُرُورٌ، فَقَدْ بَانَ لَكَ أَنَّ الْغِيبَةَ تَكُونُ بِالْجَارِحَةِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَبِالْكَتْبِ وَالرَّمْزِ وَبِالسُّكُوتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَمْ يُنْكِرْ أَوْ عَلَى الْقِيَامِ فَلَمْ يَقُمْ أَوْ عَلَى الْقَطْعِ بِكَلَامٍ آخَرَ فَلَمْ يَقْطَعْ فَهَذِهِ مَرَاتِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَلَوْ قُلْتَ: اقْطَعْ فُلَانًا أَوْ اُرْجُمْ تُشِيرُ إلَى أَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ زَانٍ لَكَانَ غِيبَةً وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَا إخْبَارًا فَفِي الْمُسْتَطْرَفِ إذَا حَاكَى إنْسَانٌ إنْسَانًا بِأَنْ يَمْشِي مُتَعَارِجًا أَوْ مُطَأْطَأً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْهَيْئَاتِ يُرِيدُ تَنْقِيصَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَبَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ يُعَرِّضُونَ بِالْغِيبَةِ تَعْرِيضًا تُفْهَمُ بِهِ كَمَا تُفْهَمُ بِالتَّصْرِيحِ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: كَيْفَ حَالُ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ يُصْلِحُنَا اللَّهُ

يَغْفِرُ لَنَا، اللَّهُ يُصْلِحُهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، نَحْمَدُ اللَّهُ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظَّلَمَةِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْكِبْرِ، يُعَافِينَا اللَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ، اللَّهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُنْقِصُهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ إنَّمَا حُرِّمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَنْقِيصَ الْغَيْرِ فَالتَّعْرِيضُ بِهِ كَالتَّصْرِيحِ، وَالْفِعْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ وَالْغَمْزِ وَالرَّمْزِ وَالْكِتَابَةِ وَالْحَرَكَةِ وَكُلُّ مَا يُفْهِمُ الْمَقْصُودَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ وَهُوَ حَرَامٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ،

١٠٬٠٤٦ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.