الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٠٩بِمُنْقِصٍ
--------------------
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿اغْتَبْتِهَا﴾، وَالْمُحَاكَاةُ مِثْلُ أَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَشَدُّ مِنْ غِيبَةِ اللِّسَانِ فِي نَوْعِ مَا يُحَاكِي لَوْ اغْتَابَهُ فِيهِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ الْمُحَاكَاةَ أَعْظَمُ فِي التَّصْوِيرِ وَالتَّفْهِيمِ وَلَمَّا [رَآهَا] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكَتْ قَالَ: ﴿مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَاكَيْتُ وَلِي كَذَا أَوْ كَذَا﴾ وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْغِيبَةِ بِالْكِتَابِ مَا ثَبَتَ أَنَّ الْكِتَابَةَ كَلَامٌ لِحَدِيثِ: ﴿الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ﴾ فَالْمُؤَلِّفُ مُغْتَابٌ إذَا عَيَّنَ أَحَدًا وَقَدَحَ فِي كَلَامِهِ لِقَصْدِ تَنْقِيصِهِ لَا لِرَدِّ الْبِدْعَةِ إنْ ابْتَدَعَ.
وَمَنْ كَتَبَ أَوْ تَكَلَّمَ بِلَا تَصْرِيحٍ لَكِنْ ذَكَرَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُغْتَابُ فَقَدْ اغْتَابَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بَعْضُ مَنْ مَرَّ بِنَا الْيَوْمَ، إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُ الْمُرَادَ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: ﴿مَا بَالُ أَقْوَامٍ﴾ وَلَا يُعَيِّنُ، وَأَخْبَثُ الْغِيبَةِ غِيبَةُ قَارِئٍ أَوْ عَابِدٍ يَغْتَابُ غَيْرَهُ مُزَكِّيًا لِنَفْسِهِ مُرَائِيًا؛ مِثْل أَنْ يَفْهَمَ الْمُرَادَ بِلَا تَصْرِيحٍ مُدَّعِيًا التَّعَفُّفَ عَنْ الْغِيبَةِ يَقُولُ: مَا
أَحْفَظَ فُلَانًا لِلْقُرْآنِ لَكِنْ قَدْ لَا يُجَوِّدُهُ كَمَا اُبْتُلِينَا بِذَلِكَ أَوْ كَمَا نَحْنُ أَهْلُ التَّقْصِيرِ فَيَذِمُّ نَفْسَهُ تَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ، وَقَصْدُهُ ذَمُّ الْمَذْكُورِ وَرُبَّمَا غَفَلَ السَّامِعُ فَيَقُولُ الْمُغْتَابُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا،،، فَيَتَوَصَّلُ بِذِكْرِ اللَّهِ إلَى تَيَقُّظِ الْعَاقِلِ وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ بِمُعْجِبِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَعَهُ فِي الْغِيبَةِ، وَقَدْ كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا بِالسُّكُوتِ كَمَا مَرَّ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْمُغْتَابِ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ قَوْلِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ فِي مَاعِزٍ أَنَّهُ أُقْعِصَ كَمَا يُقْعَصُ الْكَلْبُ فَجَمَعَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿انْهَشَا مِنْ هَذِهِ الْجِيفَةِ﴾ إلَخْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ لِلْآخَرِ: إنَّ فُلَانًا لَئُومٌ، ثُمَّ إنَّهُمَا طَلَبَا أُدْمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْكُلَا بِهِ الْخُبْزَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قَدْ ائْتَدَمْتُمَا فَقَالَا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: بَلَى إنَّكُمَا أَكَلْتُمَا مِنْ لَحْمِ أَخِيكُمَا﴾ فَجَمَعَهُمَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ مِنْهُمَا قَدْ اسْتَمَعَ (بِمُنْقِصٍ) أَيْ بِأَمْرٍ مُنْقِصٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ.
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا مَا أَعْجَزَهُ، فَقَالَ