شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٢٢

وَهَلْ جَازَتْ مُحَالَلَةٌ فِي غِيبَةٍ

-----------------------

قَصَدَهُ انْتِقَامًا لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ لَا لِنَفْسِهِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ مَا يَكُونُ التَّكَلُّمُ بِهِ غِيبَةً وَقَصَدَ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيَحْذَرَهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ قَصَدَ الِاعْتِبَارَ بِمَا فَعَلَ اللَّهُ فَذَلِكَ عِبَادَةٌ.

وَإِنْ قَصَدَ بُغْضَهُ وَتَنْقِيصَهُ وَحُبَّ مَا يُنْقِصُهُ وَيَذْكُرُهُ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَلْزَمُ إعْطَاءُ الْمَالِ عَلَى الْغِيبَةِ كَمَا يَلْزَمُ عَلَى الْمَضَرَّةِ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَلَكِنْ تَلْزَمُ عَلَيْهِ تِبَاعَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَهِيَ الظُّلْمُ الَّذِي ظَلَمَ مَذْكُورَهُ بِاغْتِيَابِهِ فَلْيُحْسِنْ إلَيْهِ لِيَمْحُوَ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ، إمَّا بِالْمَالِ أَوْ بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ أَوْ بِالْبَدَنِ، لِيَصِلَ النَّفْعُ حَيْثُ وَصَلَ الضُّرُّ، وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ، وَيُظْهِرُ التَّوْبَةَ عِنْدَ مَنْ اغْتَابَهُ عِنْدَهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِمَّنْ لَا غِيبَةَ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَاكِرَهُ لَهُ غِيبَةٌ عِنْدَهُ،؛ لِأَنَّهُمْ إنْ عَلِمُوا أَنَّ ذَاكِرَهُ كَانَ مَذْكُورَهُ عِنْدَهُ مِمَّنْ لَهُ غِيبَةٌ تَبَرَّءُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ: لَا يَبْرَءُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَاقِعِ عِنْدَهُمْ لَا غِيبَةَ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يُظْهِرُ التَّوْبَةَ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ بِغِيبَتِهِ مَا عِنْدَهُ، وَلَزِمَتْ الْمُغْتَابَ كَفَّارَةٌ مُغَلَّظَةٌ قِيَاسًا عَلَى مَا وَرَدَتْ فِيهِ الْمُغَلَّظَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: لَزِمَتْهُ مُرْسَلَةً، وَقِيلَ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ

وَلَا الْكَفَّارَةُ، وَمَا فُسِّرَتْ بِهِ التِّبَاعَةُ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ لَهَا بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ الْمُغَلَّظَةِ.

(وَهَلْ جَازَتْ مُحَالَلَةٌ فِي غِيبَةٍ) وَهِيَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اغْتَابَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ الْغِيبَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ عَلَيَّ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَفَا عَنْ مَظْلَمَتِهِ لَا أَنَّهُ قَلَبَ الْحَرَامَ حَلَالًا، إذْ الْحَرَامُ لَا يَنْقَلِبُ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عَرَضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلْهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ﴾، وَالْمُرَادُ طَلَبُ الْعَفْوِ وَالتَّنَصُّلِ عَنْ ذَلِكَ.

وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِامْرَأَةٍ أَنَّهَا طَوِيلَةُ الذَّيْلِ فَقَالَ

١٠٬٠٦٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.