شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٢٤

أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ.

-------------------

يَطِيبَ قَلْبُهُ فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَوَدُّدُهُ حَسَنَةً مَحْسُوبَةً لَهُ يُقَابِلُ بِهَا سَيِّئَةَ الْغِيبَةِ، (أَوْ لَا؟) تَجُوزُ الْمُحَالَلَةُ فِي الْغِيبَةِ لَا يَقُولُ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ وَلَا يَقُولُ الْمَذْكُورُ: جَعَلْتُكَ فِيهِ، بَلْ يُحْسِنُ إلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كَمَا مَرَّ.

قَالَ الْحَسَنُ: يَكْفِيهِ الِاسْتِغْفَارُ دُونَ الِاسْتِحْلَالِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَفَّارَةُ أَكْلِكَ لَحْمَ أَخِيكَ أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ وَتَدْعُوَ لَهُ بِخَيْرٍ.

وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: لَا أُحَلِّلُ مَنْ اغْتَابَنِي، وَقَالَ سَعِيدٌ: لَا أُحَلِّلُ مَنْ ظَلَمَنِي أَيْ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُحَلُّ مِنْهُ، وَمِنْهُ الْغِيبَةُ فَلَا أَلْفِظُ بِلَفْظٍ يُوهِمُ تَحْلِيلَ الْحَرَامِ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنِّي لَمْ أُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ فَأُحَلِّلَهَا، إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْغِيبَةَ عَلَيْهِ، وَمَا كُنْتُ لِأُحِلّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَبَدًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّنَزُّهُ عَنْ اللَّفْظِ الْمُوهِمِ (قَوْلَانِ).

قَالَ

الْغَزَالِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِيرِينَ حَسَنٌ فِي التَّحْلِيلِ قَبْلَ الْغِيبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَ لِغَيْرِهِ الْغِيبَةَ.

وَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي مِخْضَمٍ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ﴾ فَكَيْفَ يَتَصَدَّقُ بِالْعِرْضِ؟ وَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهَلْ يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ؟ وَإِنْ كَانَ تَنْتَقِلُ صَدَقَتُهُ فَمَا مَعْنَى الْحَثُّ عَلَيْهَا؟ قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَغِبَ إلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الصَّدَقَةِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنِّي لَا أَطْلُبُ مَظْلَمَةٌ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا أُخَاصِمُهُ وَإِلَّا فَتَصِيرُ الْغِيبَةُ لَهُ حَلَالًا، وَلَا تَسْقُطُ الْمَظْلَمَةُ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ قَبْلَ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ وَعْدٌ لَهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَفَاءِ بِأَنْ لَا يُخَاصِمَ، فَإِنْ رَجَعَ وَخَاصَمَ كَانَ الْقِيَاسُ لِسَائِرِ الْحُقُوقِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ بَلْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَنْ أَبَاحَ لَهُ الْقَذْفَ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ حَدِّ الْقَاذِفِ، وَمَظْلَمَةُ الْآخِرَةِ مِثْلُ مَظْلَمَةٌ الدُّنْيَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَالْبَاعِثُ عَلَى الْغِيبَةِ إمَّا التَّشَفِّي مِمَّنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَهُوَ بَاعِثٌ عَظِيمٌ، وَإِمَّا

١٠٬٠٦٢ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.