الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٢٥......................................
---------------
مُوَافَقَةُ الْمُغْتَابِينَ إنْ لَمْ يَغْتَبْ مَعَهُمْ اسْتَثْقَلُوهُ، وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مُجَامَلَةٌ فِي الصُّحْبَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَشْعِرَ أَنَّهُ سَيُنْقِصُهُ وَيَذُمُّهُ فَيَسْبِقُ بِذَلِكَ لِيُسْقِطَ مَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ وَلِيُقَالَ إنَّهُ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَهُ بِالذَّمِّ لَا لِصِدْقِهِ، وَقَدْ يَبْدَأُ السَّابِقُ بِمَا صَدَقَ فِيهِ لِيُرَوِّجَ بِهِ مَا يَرْمِيهِ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُنْسِبَ إلَى شَيْءٍ يُرِيدُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ فَيَذْكُرُ الَّذِي فَعَلَهُ.
وَكَذَا مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ بِلَا ذِكْرٍ لِفَاعِلِهِ أَوْ يَذْكُرَ غَيْرَهُ بِمُشَارَكَةِ الْعَمَلِ لِيُمَهِّدَ عُذْرَ نَفْسِهِ، وَإِمَّا التَّرَفُّعُ بِتَنْقِيصِ غَيْرِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: فُلَانٌ رَكِيكُ الْفَهْمِ يُثْبِتُ فِي ذَلِكَ فَضْلَ نَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَحْسُدَ مَا يُثْنِي عَلَيْهِ النَّاسُ وَيَرَى ثَنَاءَهُمْ عَلَيْهِ تَنْقِيصًا لَهُ فَيَقْدَحُ فِيهِ بِمَا يَتْرُكُونَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ.
وَإِمَّا اللَّعِبُ مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ عُيُوبَ النَّاسِ لِيَضْحَكَ النَّاسُ، وَإِمَّا السُّخْرِيَةُ وَالْهُزْءُ بِالْمُغْتَابِ احْتِقَارًا لَهُ وَتَكَبُّرًا، فَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ فِي الْعَامَّةِ، وَإِمَّا التَّعَجُّبُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: مَا أَعْجَبَ مَا رَأَيْتُ مِنْ فُلَانٍ كَانَ يَفْعَلُ كَذَا، وَكَيْفَ يُحِبُّ جَارِيَتَهُ وَهِيَ قَبِيحَةٌ، وَكَيْفَ يَجْلِسُ بَيْن يَدَيْ فُلَانٍ وَهُوَ جَاهِلٌ، فَإِنْ صَدَقَ فَكَيْفَ يَذْكُرُهُ أَوْ يَذْكُرُ غَيْرَهُ، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ مِثْلُ أَنْ يَهْتَمَّ بِمَا أَصَابَ أَحَدًا فَيَقُولَ: فُلَانٌ قَدْ غَمَّنِي أَمْرُهُ وَمَا اُبْتُلِيَ بِهِ، وَقَدْ صَدَقَ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَهُ ضُرٌّ بِذِكْرِ اسْمِهِ فَقَدْ اغْتَابَهُ، وَأَمَّا الْغَضَبُ لِلَّهِ يَغْضَبُ لِمُنْكَرٍ وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ اسْمَ فَاعِلِهِ، وَالثَّلَاثَةُ غُمَيْضَةٌ لَا يَنْتَبِهُ لَهَا الْعُلَمَاءُ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ وَاثِلَةَ: {مَرَّ رَجُلٌ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ فَرَدُّوا فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ قَالَ أَحَدُهُمْ: إنِّي لَأَبْغُضُ هَذَا فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالُوا: لَبِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاَللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ، يَا فُلَانٌ قُمْ فَأَخْبِرْهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَكَى لَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ فَدَعَاهُ وَسَأَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ قُلْتَ ذَلِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَمْ تُبْغِضْهُ؟ وَقَالَ: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَبِيرٌ، وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلَاةً قَطُّ إلَّا هَذِهِ الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ: فَاسْأَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَآنِي أَخَّرْتُهَا عَنْ وَقْتِهَا أَوْ