شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٣

فَالِافْتِقَارُ إلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْخَلْقِ غِنًى

--------------------

مَا يُطْلَقُ الْإِعْطَاءُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: بِوَجْهِ اللَّهِ فِي اللَّهِ أَيْ سَأَلَ فِيمَا هُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ كَسُؤَالِ مَا لَا يَحِلُّ وَالسُّؤَالِ تَكَاثُرًا فَقَدْ سَأَلَ هُجْرًا فَلَا يُلْعَنُ الْمَسْئُولُ حِينَئِذٍ بِعَدَمِ الْإِعْطَاءِ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ الْعِلْمَ لِيَضُرَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِلْجِدَالِ، وَإِنَّمَا سَاغَ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمُتَكَلَّفَةِ وَالْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ لِقَرِينَةِ أَنَّهُ لَا وَاجِبَ فِي الْمَالِ إلَّا الزَّكَاةُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْحُقُوقِ كَنَفَقَةِ الْعِيَالِ وَالضَّيْفِ، نَعَمْ تَتَفَاوَتُ الْأَوْجُهُ قُوَّةً وَضَعْفًا وَيَدُلُّ عَلَى لَعْنِ السَّائِلِ تَعَنُّتًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: نَهَى عَنْ

الْأُغْلُوطَاتِ} وَهِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِفَضْلِ الْمَسَائِلِ أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي﴾ وَعَنْ الْحَسَنِ: شَرُّ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ شِرَارَ الْمَسَائِلِ يُعْمُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْمَغَالِيطَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ أَقَلَّ النَّاسِ عِلْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِلَعْنِ السَّائِلِ بِوَجْهِ اللَّهِ فَلَعْنُ مَانِعِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي لَوْمِهِمَا لَا حَقِيقَةَ اللَّعْنَةِ وَالْكُفْرِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْمُعْطِي وَالْمَانِعُ اللَّهُ.

(فَالِافْتِقَارُ إلَى اللَّهِ) غِنًى (وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْخَلْقِ غِنًى) بِأَنْ يُوقِنَ أَنَّ الْمُعْطِيَ وَالْمَانِعَ اللَّهُ وَلَا يَخْرُجُ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي ذَلِكَ غَنِيٌّ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ وَجَوَارِحَهُ مُطْمَئِنَّةٌ كَأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ وَحَوَائِجَهُ فِي يَدِهِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِغِنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الِافْتِقَارُ إلَى اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ إلَّا بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْخَلْقِ، وَبِالْعَكْسِ؛ وَلَكِنْ إذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ غُنْيَانِ: غِنَى افْتِقَارٍ إلَى اللَّهِ وَغِنَى اسْتِغْنَاءٍ عَنْ الْخَلْقِ، وَلَوْ اسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ أَوْ سَأَلَ مَخْلُوقًا حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمُعْطِيَ اللَّهُ وَالْمَانِعَ اللَّهُ وَأَنَّ الْخَلْقَ لَا يُعْطُونَهُ مَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا يَمْنَعُونَ مَا أَعْطَى اللَّهُ، وَمَعَ

١٠٬١١١ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.