الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٤وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ فَرْضٌ وَإِسَاءَتُهُ بِهِ كُفْرٌ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَقْرٌ.
---------------
اعْتِقَادِ أَنْ لَيْسَ الْخَلْقُ إلَّا وَاسِطَةً فَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْ الْخَلْقِ وَمَعَ ذَلِكَ فَكُلَّمَا ازْدَادَ تَرْكُ الْحَاجَةِ إلَى الْخَلْقِ كَانَ أَوْلَى.
(وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ فَرْضٌ) بِأَنْ يَسْتَقِرَّ فِي قَلْبِهِ
ضَمَانُ اللَّهِ الرِّزْقَ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ حَاجَتِهِ، وَأَنَّ الْمُطِيعَ لَهُ الْجَنَّةُ وَالْمُنْفِقَ لَهُ الْخَلَفُ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَاقِعٌ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَعَلَّهُ يُدْخِلُ الْعَاصِيَ الْجَنَّةَ بِلَا تَوْبَةٍ وَيَحْرِمُ الْمُطِيعَ الْجَنَّةَ، أَوْ أَنَّهُ يُخْلِفُ الْوَعْدَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاَللَّهِ (وَإِسَاءَتُهُ) أَيْ إسَاءَةُ الظَّنِّ (بِهِ) أَيْ بِاَللَّهِ (كُفْرٌ) أَيْ كُفْرُ شِرْكٍ، (وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَقْرٌ) اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ إذْ تَرْكُ مَنْ بِيَدِهِ الرِّزْقُ وَالْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَغْنِي أَبَدًا وَلَوْ أَصَابَ مَا أَصَابَ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَيَبْقَى قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ أَبَدًا كَقَلْبِ وَجَوَارِحِ مَنْ لَمْ يُصِبْ، وَهَكَذَا حَالُ الْحَرِيصِ.
وَيُقَالُ إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ يَطُوفُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ لِيَنْظُرُوا كَيْفَ يَصْنَعُ النَّاسُ بِمَا أَعْطَاهُمْ اللَّهُ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رُدُّوا السَّائِلَ بِوَقْرٍ وَلِينٍ وَجَمِيلٍ فَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ مَنْ لَيْسَ بِإِنْسِيٍّ وَلَا جَانٍّ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَنِيعُكُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمْ اللَّهُ، وَسَأَلَ رَجُلٌ أَهْلَ مَسْجِدٍ لِيُطْعِمُوهُ فَافْتَرَقُوا عَنْهُ وَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَدُوهُ مَيِّتًا فَأَخَذُوا فِي جِهَازِهِ فَدَفَنُوهُ فَرَجَعُوا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا الْكَفَنَ فِي الْمِحْرَابِ مَكْتُوبًا فِيهِ كَفَنُكُمْ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، وَالرَّبُّ سَاخِطٌ عَلَيْكُمْ، وَمَاتَ رَجُلٌ فِي بَلَدٍ بِالْجُوعِ بَعْدَ أَنْ أَعْطَى مَالَهُ مِنْ الْأَصْلِ فِي مِقْدَارِ مَا يُشْبِعُهُ فَلَمْ يُعْطُوهُ، فَرَأَى شَيْخُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُمْ دِيَتُهُ فَجَمَعُوهَا وَأَعْطَى مَنَابَهُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي رُفْقَةٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ