الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٨٠............................................
--------------------
عَنْ أَدْنَاسِ الزَّلَّاتِ، وَإِنَّ الْقَلْبَ كَالْمِرْآةِ الَّتِي يُشَاهَدُ فِيهَا أَحْكَامُ الْغَائِبَاتِ وَلَا تُرِيَكَ الْمِرْآةُ الشَّوَاهِدَ إلَّا إنْ صَفَتْ، وَاجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ مَحَبَّةٍ تَكُونُ عَلَى مُلَاحَظَةِ غَرَضٍ تَكُونُ مَعْلُولَةً حَتَّى تَكُونَ صَافِيَةً عَنْ كُلِّ مَطْمَعٍ، وَقِيلَ: أَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَحَبَّ الْبَعِيرُ إذَا اسْتَنَاخَ فَلَمْ يَبْرَحْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أَيْ لُصِقَتْ بِالْأَرْضِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ، فَالْمُحِبُّ أَبَدًا يَكُونُ مُقِرًّا عَلَى بَابِ مَحْبُوبِهِ بِنَفْسِهِ وَبَدَنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَبِقَلْبِهِ وَبِرُوحِهِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ
الدَّقَّاقُ: إنَّ الْمَشَايِخَ قَالُوا: إنَّ طَرِيقَتَنَا هَذِهِ بَيِّنَةٌ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِأَقْوَامٍ كَنَسَ اللَّهُ بِأَرْوَاحِهِمْ الْمَزَابِلَ، فَالْمُحِبُّ أَبَدًا يَكْنُسُ بَابَ مَحْبُوبِهِ بِرُوحِهِ لَا يَدْعُ خِدْمَتَهُ مَا أَمْكَنَهُ، يَصِلُ سَيْرَهُ بُسْرَاهُ، وَيَدَعُ هَوَاهُ فِي رِضَاهُ وَأَنْشَدُوا: أُحِبُّكُمْ مَا دُمْتُ حَيًّا وَإِنْ أَمُتْ أَحَبَّكُمْ قَلْبٌ فِي التُّرَاب تَرِيبُ وَأَنْشَدُوا: وَمِنْ كَاسِفَاتِ الرَّيْبِ أَنِّي وَامِقُ تَجَافِيَكَ عَنِّي وَاعْتِكَافِي بِبَابِكَ يُهْجَرُ فَيَأْبَى إلَّا الْوِصَالَ، وَيُقَابَلُ بِالصَّدِّ وَالرَّدِّ وَالْإِهَانَةِ وَالطَّرْدِ وَالتَّنْفِيرِ وَالْبُعْدِ، وَلَا يَزْدَادُ بِالظَّاهِرِ إلَّا جَهْدًا عَلَى جَهْدٍ، وَبِالْبَاطِنِ إلَّا وَجْدًا عَلَى وَجْدٍ، يُؤْثِرُ الذُّلَّ عَلَى الْعِزِّ، وَالْبُعْدَ عَلَى الْقُرْبِ، وَأَنْشَدُوا: وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا يَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ أُكْرِمُ
وَأَنْشَدُوا: