شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٨١

وَيَكُونُ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً وَغَيْرَهُمَا

----------------------

رَأَيْتُكِ يُدْنِينِي إلَيْكِ تَبَاعُدِي فَبَاعَدْتُ نَفْسِي لِابْتِغَاءِ التَّقَرُّبِ وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنْ الْحَبِّ وَهُوَ الْقُرْطُ يُسَمَّى حَبًّا لَقَلَقِهِ وَهُوَ اضْطِرَابُهُ كَمَا أَنَّ الْقُرْطَ لَا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَضْطَرِبُ أَبَدًا كَذَلِكَ الْمُحِبُّ عَدِيمُ الْقَرَارِ بَعِيدُ الِاصْطِبَارِ، لَا يَسْكُنُ أَنِينُهُ، وَلَا يَهْدَأُ حَنِينُهُ، نَهَارُهُ لَيْلٌ، وَلَيْلُهُ وَيْلٌ، وَنَوْمُهُ مَعْقُودٌ وَفِي قَلْبِهِ وَقُودٌ، قَالَ الْقُشَيْرِيِّ: وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنْ الْحَبَّةِ وَهِيَ بَزْرٌ يَنْبُتُ فِي الصَّحْرَاءِ فَالْمَحَبَّةُ شَجَرَةٌ تُغْرَسُ فِي الْفُؤَادِ وَتُسْقَى بِمَاءِ الْوِدَادِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي السِّرِّ وَفَرْعُهَا نَابِتٌ فِي هَوَاءِ الْهِمَّةِ وَثَمَرُهَا لَطَائِفُ الْأُنْسِ تُؤْتِي أُكُلَهَا دَائِمًا، وَقِيلَ: الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ: الْإِيثَارُ وَهُوَ أَنْ لَا يَدَعُ لِمَحْبُوبِهِ مَيْسُورًا إلَّا بَذَلَهُ وَلَا مُمْكِنًا إلَّا اسْتَعْمَلَهُ، لَا يَبْغِي لِنَفْسِهِ وَلَحْظِهِ نَوْمًا وَلَا سِنَةً وَلَا يَسْتَثْنِي مِنْ جُمْلَةِ مَا يَبْذُلُهُ لَحْظَةً وَلَا نَسَمَةً، وَأَنْشَدُوا: لَئِنْ بَقِيَتْ فِي الْعَيْنِ

مِنِّي قَطْرَةٌ فَإِنِّي إذًا فِي الْعَاشِقِينَ دَخِيلُ.

(وَيَكُونُ) الْحُبُّ (طَاعَةً وَمَعْصِيَةً وَغَيْرَهُمَا) مِنْ مَكْرُوهٍ وَمُبَاحٍ وَحُبُّ مَعْصِيَةٍ بِالضَّرُورَةِ بِلَا قَصْدِ فِعْلٍ لَهَا وَلَا نِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَارِهٌ لِذَلِكَ الْحُبِّ، وَالْحُبُّ الْمَكْرُوهُ كَحُبِّ مَا يُكْرَهُ مِثْلُ حُبِّ أَكْلِ مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ، وَحُبِّ شُرْبِ مَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ، وَلُبْسِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ، وَرُكُوبِ مَا يُكْرَه رُكُوبُهُ، وَكَذَا السُّكْنَى وَغَيْرُهَا وَالْقَوْلُ، وَكَذَا تَرْكُ مَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ، وَالْمُبَاحُ حُبُّ الْحَلَالِ بِلَا تَكَاثُرٍ وَلَا وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، وَالْحُبُّ: الْمِيلُ إلَى الشَّيْءِ بِالْقَلْبِ إمَّا لِمَا يُسْتَلَذُّ بِحَوَاسِّهِ كَحُسْنِ الصُّورَةِ أَوْ مَا يُسْتَلَذُّ مِنْ الْفِعْلِ كَالْإِحْسَانِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، أَوْ لِوَصْفٍ غَيْرِ مَحْسُوسٍ كَالْفِطْنَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحُبُّ ثَلَاثَةٌ: حُبُّ إجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، كَحُبِّ الْوَالِدِ، وَحُبُّ

١٠٬١١٩ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.