الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٩٠وَوُجُوبِ الْعِقَابِ عَلَى بُغْضِهِمْ وَالثَّوَابِ عَلَى حُبِّهِمْ لِمَا يَنَالُونَهُ غَدًا وَهُوَ فَرْضٌ وَدُنْيَا طَاعَةٌ لَا فَرْضٌ، وَقِيلَ كَالْأَوَّلِ
----------------------
الْأَفْعَالُ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا اسْمَ الْمُسْلِمِ (وَ) لَزِمَتْ مَعْرِفَةُ (وُجُوبِ الْعِقَابِ عَلَى بُغْضِهِمْ وَ) مَعْرِفَةِ وُجُوبِ (الثَّوَابِ عَلَى حُبِّهِمْ لِمَا يَنَالُونَهُ) مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَظُهُورِ أَثَرِ رِضَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (غَدًا) يَوْمَ الْقِيَامَةِ الشَّبِيهُ بِالْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِكَ فِي الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ يَأْتِي كَأَنَّهُ قَدْ أَتَى، وَلِمَا يَنَالُونَهُ: تَعْلِيلٌ لِحُبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِنَّكَ تُحِبُّهُمْ لِرِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ غَدًا فَتُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الْحُبِّ، أَوْ تَعْلِيلٌ لَلَزِمَتْ الْمُقَدَّرِ إنْ قُدِّرَ أَوْ بِحِصَّتِهِ فِي لَزِمَتْ الْمَذْكُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَدَلِ مَحْذُوفٍ أَيْ: الْحُبِّ لِمَا يَنَالُونَهُ بِجَرِّ الْحُبِّ بَدَلًا مِنْ هَاءِ حُبِّهِمْ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْمَعْدُولَ مِنْهُ لَكَانَ اللَّفْظُ هَكَذَا: وَالثَّوَابُ عَلَى حُبٍّ لِمَا يَنَالُونَهُ، وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِاعْتِبَارِ الظَّرْفِ الَّذِي فِيهَا مِنْ التَّعَدِّيَةِ، وَمَنْ لَا يُعَلِّقُهَا اعْتَبَرَ أَنَّهَا فِي مَعْمُولِ الْمُتَعَدِّي، وَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ: فَإِنَّكَ إذَا أَحْبَبْتَ لِلْمُسْلِمِينَ.
مَا يَنَالُونَهُ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ فَلَكَ الثَّوَابُ عَلَى هَذَا الْحُبِّ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ: (وَهُوَ فَرْضٌ) فَإِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى حُبِّ مَا يَنَالُونَهُ غَدًا، يَعْنِي: أَنَّ حُبَّ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا لَهُمْ فَرْضٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَحُبُّ مَا يَنَالُونَهُ غَدًا فَرْضٌ (وَ) حُبُّ مَا يَنَالُونَهُ مِنْ النِّعَمِ وَالْعَافِيَةِ (دُنْيَا طَاعَةٌ لَا فَرْضٌ) فَلَوْ لَمْ يَبْغُضْهُ لَهُمْ وَلَمْ يُحِبَّهُ لَهُمْ لَمْ يَعْصِ وَإِنْ أَبْغَضَهُ لَهُمْ عَصَى وَلَمْ يَكْفُرْ، (وَقِيلَ): حُبُّ مَا يَنَالُونَهُ فِي الدُّنْيَا فَرْضٌ (كَالْأَوَّلِ) الَّذِي هُوَ حُبُّ مَا يَنَالُونَهُ فِي الْآخِرَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَبْغَضْهُ لَهُمْ وَلَمْ يُحِبَّهُ لَهُمْ أَوْ أَبْغَضَهُ
لَهُمْ كَفَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَرَاءَةٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يَهُمَّهُ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ﴾ وَلَيْسَ كَمَا قِيلَ: إنَّ حُبَّ ذَلِكَ فَرْضٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَعَلَّ الْخِلَافَ فِي الْإِحْسَانِ، وَيَأْتِي قَوْلٌ