الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٠٠........................................
-------------------
ثُمَّ جَاوَزَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ فَإِذَا هُمْ أَشَدُّ نُحُولًا وَتَغَيُّرًا كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمْ الْمَرَائِي مِنْ النُّورِ فَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى؟ قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي الثَّلْجِ فَقُلْتُ أَمَا تَجِدُ الْبَرْدَ فَقَالَ: مَنْ شَغْلَهُ حُبُّ اللَّهِ لَا يَجِدُ الْبَرْدَ، وَعَنْ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ: تُدْعَى الْأُمَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْبِيَائِهِمْ فَيُقَالُ: يَا أُمَّةَ مُوسَى، يَا أُمَّةَ عِيسَى، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، غَيْرَ الْمُحِبِّينَ فَيُنَادَوْنَ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هَلُمُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَتَكَادُ قُلُوبُهُمْ تَنْخَلِعُ فَرَحًا، وَقَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُؤْمِنُ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ عَزَّ.
وَجَلَّ أَحَبَّهُ وَأَقْبَلَ إلَيْهِ؛ إذَا وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِقْبَالِ إلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الشَّهْوَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْآخِرَةِ بِعَيْنِ الْفَتْرَةِ، وَيَبْقَى بِجَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا وَبِرُوحِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: عَفَوْهُ يَسْتَغْرِقُ الذُّنُوبَ فَكَيْفَ رِضْوَانُهُ؟ وَرِضْوَانُهُ يَسْتَغْرِقُ الْآمَالَ، فَكَيْفَ حُبُّهُ؟ وَحُبُّهُ يُدْهِشُ الْعُقُولَ، فَكَيْفَ وُدُّهُ؟ وَوُدُّهُ يُنْسِي مَا دُونَهُ، فَكَيْفَ لُطْفُهُ؟ وَفِي بَعْضِ
كُتُبِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: عَبْدِي أَنَا وَحَقِّي لَكَ مُحِبُّ فَبِحَقِّي عَلَيْكَ كُنْ لِي مُحِبًّا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ مِنْ الْحُبِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً بِلَا حُبٍّ، وَلَا يُحِبُّ الرَّجُلُ اللَّهَ حَتَّى يَعْرِفَهُ إذْ لَا يُحِبُّ الْإِنْسَانُ أَوْ غَيْرُهُ مَا لَا يَعْرِفُهُ فَإِذَا عَرَفْتَ صِفَاتِ اللَّهِ وَكَمَا لَهُ أَحْبَبْتَهُ؛ لِأَنَّهَا تُلَائِمُ نُورَ عِلْمِكَ وَذَلِكَ يُدْرَكَ بِالْعَقْلِ لَا بِالْحَوَاسِّ، فَلَا يُقَالُ: اللَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَكَيْفَ تُحِبُّهُ وَأَنْتَ إنَّمَا تُحِبُّ مَا أَدْرَكْتَهُ بِالْحَوَاسِّ وَاسْتَحْسَنْتَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ نَفْسَهُ وَيُحِبُّ غَيْرَهُ لِخَيْرٍ يَصِلُهُ مِنْهُ وَدَفْعِ ضُرٍّ وَلِمَنْفَعَةٍ مَا، فَهُوَ أَبَدًا يُحِبُّ الْحَيَاةَ وَالْعَافِيَةَ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ وَبَقَاءِ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَتَّى أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَلَوْ بِلَا أَلَمٍ فَهُوَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَفْنَى غَيْرُهُ وَيَبْقَى وَحْدَهُ فِي الدُّنْيَا بِلَا أَنِيسٍ وَلَوْ بَقِيَ وَحْدَهُ لَمْ يَخْتَرْ الْمَوْتَ أَيْضًا، وَلَوْ خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ لَاخْتَارَ مَوْتَ وَلَدِهِ وَلَمَّا عِلْمَ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ يَمُوتُ كَانَ يَخْتَارُ بَقَاءَ مَنْ بَقَاؤُهُ يَقْرُبُ عَلَى بَقَائِهِ كَوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ فَهُوَ يُحِبُّ الْأَقَارِبَ وَالْأَجَانِبَ لِإِحْسَانِهِمْ إلَيْهِ أَوْ اتِّصَالٍ مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيَّ