الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٠١..................................
-------------
يَدًا فَيُحِبُّهُ قَلْبِي} رَوَاهُ الْغَزَالِيُّ وَتَقَدَّمَ بِزِيَادَةٍ كَمَا رَوَاهُ تبغورين رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ لِذَاتِهِ وَهُوَ الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ الْبَالِغُ الَّذِي يُوثَقُ بِدَوَامِهِ كَحُبِّ الْمَالِ، وَلَا تَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا لِقَضَاءِ الْغَرَضِ فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَذَّةٌ أُخْرَى فَقَدْ تُحِبُّ الْخُضْرَةَ وَالْمَاءَ الْجَارِي بِلَا أَكْلٍ مِنْهَا وَلَا شُرْبٍ مِنْهُ، وَكَذَا الْأَزْهَارَ وَالْأَطْيَارَ الْمِلْحِيَّةَ وَالنَّقْشَ الْمُنَاسِبَ وَاَللَّهُ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ
كَمَا فِي الْحَدِيثِ، فَهُوَ مَحْبُوبٌ لِصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ بِالذَّاتِ كَمَا هُوَ مَحْبُوبٌ لِفِعْلِهِ، وَهُوَ مَحْبُوبُ الْفِعْلِ أَيْضًا لِذَاتِ الْفِعْلِ وَلَوْ مِمَّا تَكْرَهُ النَّفْسُ، فَإِذَا لَيْسَ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ مَحْصُورَيْنِ فِي الْإِدْرَاكِ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَجَمَالُ كُلُّ شَيْءٍ وَحَسَنُهُ بِحُضُورِ كَمَالِهِ اللَّائِقِ بِهِ وَإِنْ حَضَرَ بَعْضُهُ فَحُسْنُهُ وَجَمَالُهُ بِقَدْرِ مَا حَضَرَ، وَيُقَالُ: هَذَا خُلُقٌ حَسَنٌ وَعِلْمٌ حَسَنٌ وَسِيرَةٌ حَسَنَةٌ وَأَخْلَاقٌ جَمِيلَةٌ فَالْأَخْلَاقُ الْجَمِيلَةُ: كَالْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالتَّقْوَى وَالْكَرَمِ وَالْمُرُوءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يُدْرَكُ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ لَا بِالْحَوَاسِّ فَتَرَى الطِّبَاعَ مَجْبُولَةً عَلَى حُبِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ بِلَا مُشَاهَدَةٍ، وَيَكُونُ الْحُبُّ أَيْضًا لِمُنَاسَبَةٍ خَفِيَّةٍ فَرُبَّ شَخْصَيْنِ تَتَأَكَّدُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَهُمَا لَا لِسَبَبِ جَمَالٍ أَوْ حَظٍّ بَلْ لِتَنَاسُبِ الْأَرْوَاحِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ﴾ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْمَحَبَّةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَمَا أُحِبَّ مِنْ أَجْلِهِ فَحُبُّهُ حُبٌّ لَهُ تَعَالَى كَحُبِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعِلْمِ بِإِخْلَاصٍ، وَحُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ مَحْبُوبَ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، بَلْ حُبُّ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ يَرْجِعُ إلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ عَقَلَ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ وَالْبَقَاءَ، وَمُوجِدُ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ لَمْ يُحِبَّ اللَّهَ لِذَلِكَ فَلِجَهْلِهِ، قَالَ الْحَسَنُ: مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ أَحَبَّهُ، وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا زَهِدَ فِيهَا، وَكَذَا حُبُّكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِدَفْعِ ضُرٍّ أَوْ جَلْبٍ نَفْعٍ يَرْجِعُ إلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى يَدِ غَيْرِكَ
، فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي صَرَفَ عَنْكَ الْخَلْقَ وَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُهُمْ إلَيْكَ وَكَذَا حُبُّكَ لِلْمُحْسِنِ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ أَنْ يَصِلَكَ مِنْهُ إحْسَانٌ كَعِلْمٍ وَعَطَاءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُوجِدُ لِهَذَا الْإِحْسَانِ، وَكَذَا حُبُّ الْجَمَالِ