شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٥٣٦

وَالْمُدَاهَنَةُ: وَهِيَ إخْفَاءُ مَا وَجَبَ إظْهَارُهُ مِنْ قَبِيحٍ وَتَرْكُ النَّهْيِ حَيْثُ يَجِبُ

---------------------

وَكَانَ أَعْرَابِيٌّ يُجَالِسُ الشَّعْبِيَّ وَيُكْثِرُ الصَّمْتَ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: مَالَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: أَسْكُتُ فَأَسْلَمُ وَأَسْمَعُ فَأَعْلَمُ، وَيُقَالُ: انْصِتْ لِلْجَاهِلِ تَزْدَدْ حِلْمًا وَلِلْعَالِمِ تَزْدَدْ عِلْمًا، وَيُقَالُ لَا شَيْءَ أَوْلَى بِطُولِ حَبْسٍ مِنْ لِسَانٍ يُقْصِرُ مِنْ الصَّوَابِ وَيُسْرِعُ إلَى الْجَوَابِ، وَقَالَ طَاوُسٍ: لِسَانَيْ سَبُعٌ إنْ أَرْسَلْتُهُ أَكَلَنِي، وَيُقَالُ: إذَا طَلَبْتَ صَلَاحَ قَلْبِكَ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِحِفْظِ لِسَانِكَ، وَقِيلَ لِرَجُلٍ: أَطَلْتَ سِجْنَ لِسَانِكَ؟ فَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ إذَا أُطْلِقَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرَيْنِ خَفِيفٌ مُؤْنَتُهُمَا عَظِيمٌ أَجْرُهُمَا لَمْ يُلْقَ اللَّهُ بِمِثْلِهِمَا طُولِ الصَّمْتِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ﴾ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَالْمُدَاهَنَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ لُعِنَ فَاعِلُهَا (وَهِيَ إخْفَاءُ مَا وَجَبَ إظْهَارُهُ مِنْ قَبِيحٍ وَتَرْكُ النَّهْيِ) بِرَفْعِ تَرْكِ عَطْفًا عَلَى إخْفَاءٍ (حَيْثُ يَجِبُ) النَّهْيُ وَمَعْنَى إخْفَاءُ ذَلِكَ: تَرْكُ التَّصْرِيحِ لِفَاعِلِهِ بِتَقْبِيحِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ وَالسُّكُوتُ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَمَعْنَى إظْهَارِهِ التَّصْرِيحُ لِفَاعِلِهِ بِتَقْبِيحِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ أَيْ إظْهَارُ تَقْبِيحِهِ وَخَرَجَ إخْفَاءُ مَا وَجَبَ إخْفَاؤُهُ كَالسِّتْرِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِمَا فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ، وَالْمُرَادُ إخْفَاءُ تَقْبِيحِهِ عَنْ فَاعِلِهِ بِمَعْنَى عَدِمِ تَقْبِيحِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ فَخَرَجَ إخْفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ فَاعِلِهِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ إنْ كَانَ ذِكْرُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ غِيبَةً أَوْ نَمِيمَةً وَحَرَامٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَبِيحُ أَخْذَ مَالٍ أَوْ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ ضَرْبًا أَوْ فِعْلًا فِي الْجَسَدِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كَنِكَاحٍ فَاسِدٍ وَوِلَايَةِ فَاسِقٍ أَمْرَ الْإِمَامَةِ أَوْ مَا دُونَهَا فَإِنَّهُ يَجِبَ الْإِخْبَارُ وَمُبَاحٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ تَرْكَ الْمَنْعِ مِنْ الْفِعْلِ مِثْلُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إهْرَاقِ خَمْرٍ أَوْ مَنْعِ وَلَدِهِ أَوْ طِفْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى النَّهْيِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُدَاهَنَةٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْرِيفَ

١٠٬١٧٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.