الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٣٧...............................................
--------------------
عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ حَيْثُ لَا يَشْتَرِطُونَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا مَانِعًا أَوْ أَرَادَ بِالنَّهْيِ: النَّهْيُ الْكَامِلُ وَهُوَ الْإِبْطَالُ الْمُطْلَقُ بِحَسْبِ الطَّاقَةِ وَالْحَالِ فَإِنَّكَ إذَا نَهَيْتَ فَقَدْ أَبْطَلَتْ الْعَمَلَ الْمُحَرَّمَ أَيْ أَظْهَرْتَ بُطْلَانَ جَوَازِهِ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ، وَإِذَا نَهَيْتَ وَأَهْرَقْتَ أَوْ مَنَعْتَ أَوْ فَعَلْتَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْطَلْتَ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ تَكَلُّفٌ لَكِنْ لَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ لَهُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إذَا وَجَبَ مَنْعُ الْفَسَادِ، وَقَالَ السَّيِّدُ: الْمُدَاهَنَةُ أَنْ يَرَى مُنْكَرًا
وَيَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ حِفْظًا لِجَنَابِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ جَنَابِ غَيْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ، وَفِي كَنْزِ الْأَسْرَارِ: الْمُدَاهَنَةُ مُقَابَلَةُ النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ الْقَوْلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أَيْ: وَدُّوا لَوْ أَثْنَيْتَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَيُثْنُونَ عَلَى أَحْوَالِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَكَذَا شُكْرُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَالْمُبْتَدَعِ عَلَى بِدْعَتِهِ وَالْمُبْطِلِ عَلَى بَاطِلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَكْثِيرٌ لِلظُّلْمِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ، وَقَدْ تُبَاحُ الْمُدَاهَنَةُ وَذَلِكَ إذَا اتَّقَى بِهَا شَرَّ ظَالِمٍ إذَا شَكَرَهُ بِالْكَلِمَةِ الْخَفِيفَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ صِفَةُ شُكْرٍ وَلَوْ أَخَسَّ النَّاسِ، قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: إنَّا لَنَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنَهُمْ، وَقَدْ تَكُونُ الْمُدَاهَنَةُ وَاجِبَةً وَذَلِكَ إذَا كَانَ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُدْفَعُ إلَّا بِهَا وَتَكُونُ مَنْدُوبَةً إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً إلَى مَنْدُوبٍ وَمَكْرُوهَةً إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً إلَى مَكْرُوهٍ.
وَيُقَالُ: الْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَالْمُدَارَاةُ بَذْلُ الدُّنْيَا لِأَجْلِ الدِّينِ، وَالْمُدَارَاةُ حَلَالٌ، وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ وَشَرْحِ الْهَمْزِيَّةِ: الْمُدَارَاةُ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا أَوْ هُمَا بِخِلَافِ الْمُدَاهَنَةِ فَإِنَّهَا بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَفِي الْقَنَاطِرِ: الْمُدَارَاةُ مَأْمُورٌ بِهَا لِدَفْعِ شَرِّ الْأَشْرَارِ وَتَأْلِيفِهِمْ لِجَرِّ الْمَنَافِعِ وَكِفَايَةِ الْعَارِ وَطَلَبِ الثَّأْرِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا تَكْرَهُوا غَوْغَاءَكُمْ فَإِنَّهَا مُسِدَّةٌ