الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٥٠فَيَتْرُكُ نَهْيَهُ وَيُلَامُ تَارِكُهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ وَإِنْ عَلَى غَيْرِهِ.
----------------
وَالْقُعُودِ مَعَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَالطَّرِيقِ وَمِنْ آدَابِ أَصْحَابِنَا النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَالطَّرِيقِ وَقُدَّامِ النَّاسِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ﴾ وَالتَّدْنِيسُ أَعْظَمُ مِنْ التَّنْقِيصِ وَلَوْ اكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا لَكَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمُنْقِصِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةِ وَبِالْمُدَنِّسِ الْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ، وَلَيْسَ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ مُعَارِضًا لِتَسْمِيَةِ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ (فَيَتْرُكُ نَهْيَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يُدَارِي عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ وَهُوَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَلَا يَتْرُكُ نَهْيَهُ، وَيَجُوزُ نَصْبُ يَتْرُكُ عَلَى أَنَّهُ فِي جَوَابِ النَّفْيِ (وَيُلَامُ تَارِكُهُ) أَيْ تَارِكُ النَّهْيِ لِلْمُسْلِمِ عَمَّا يُنْقِصُهُ أَوْ يُدَنِّسُهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) أَيْ لِخَوْفٍ صَادِرٍ مِنْ التَّارِكِ أَيٍّ كَانَ الْخَوْفُ مِنْهُ فَتَرَكَ النَّهْيَ لِلْمُسْلِمِ الْفَاعِلِ لِلْمُنْقِصِ أَوْ الْمُدَنِّسِ وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِخَوْفٍ فَتَرْجِعُ الْهَاءُ لِلْمُسْلِمِ أَوْ الْهَاءُ عَائِدٌ إلَى الْمُسْلِمِ الْفَاعِلِ لِلْمُنْقِصِ (وَإِنْ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ التَّارِكِ، وَإِنَّمَا يُلَامُ مَعَ أَنَّهُ تَرَكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُهُ أَوْ
يُدَنِّسُهُ لَا يُصِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِغُ فِي تَعُدِّي الْحُدُودِ لَا يَقْتُلُ نَاهِيَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى النَّهْيِ وَلَا يَضْرِبُهُ وَلَا يُجْحِفُ مَالَهُ وَلَا يَفْعَلُ بِهِ فِعْلًا يَطْرَحُ جَاهَهُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَالزِّنَى بِهِ وَجَرِّهِ بِحَبْلٍ يُقَادُ بِهِ.
وَهَكَذَا تَأَوَّلْتُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ أَنَّ اللَّوْمَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْفَاعِلِ لِمَا يُدَنِّسُهُ أَوْ يُنْقِصُهُ إذَا تَرَكُوا نَهْيَهُ خَوْفًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَأَنَّهُمْ إنْ تَرَكُوا نَهْيَهُ بِتَضْيِيعٍ مِنْهُمْ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُلَامُ هُوَ إلَّا إنْ فَعَلَ فِعْلًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ اللَّوْمَ، يَعْنِي فَتَرَكُوا نَهْيَهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَنْهَوْهُ عَلَى الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْأَمْرُ أَوْ النَّهْيُ إذَا كَانَ يُوَصِّلُهُ إلَى الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ طَرَفِهِ أَوْ الْمُثْلَةِ بِهِ أَوْ الضَّرْبِ الْمُؤْلِمِ وَإِنْ أَمْرَ أَوْ نَهَى مَعَ ذَلِكَ فَأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الدِّينِ وَتَعْظِيمَهُ وَتَشْجِيعَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ وَكَسْرَ جَاهِ الْفَاسِقِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ الْجِهَادِ فَلَا يُقَالُ اسْتِبْقَاءُ نَفْسِهِ أَفْضَلُ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ إذَا رَجَا أَنْ لَا يَقْتُلَهُ أَوْ كَانَ يُؤَثِّرُ وَلَوْ أَدَّى إلَى الْقَتْلِ مِثْلُ