الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٦٠...................................................
----------------------
الْمُخَالِفِ يُرِيدُ الْحُكْمَ عَلَيْنَا بِمَا يَجُوزُ فِي مَذْهَبِهِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا كَمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ غَيْرِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ جَوَازِ نَزْعِ مَسَاجِدِنَا وَجَعْلِهَا لَهُمْ وَقَتْلِهِمْ لَنَا وَمَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَلَا فِي كُتُبِ سَلَفِهِمْ، وَلَا فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ، وَكَمَا إذَا قَهَرُونَا أَنْ نُصَلِّيَ خَلْفَهُمْ وَهُمْ يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا يُفْسِدُهَا أَوْ يُصَلُّوهَا بِنَجَسٍ أَوْ بِلَا وُضُوءٍ، أَوْ طَلَبُوا مِنَّا أَنْ نُعْطِيَهُمْ الزَّكَاةَ فَلِلْمُسْلِمِينَ نَصَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يُدَارِئُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَالِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَبِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ: وَيَدْفَعُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ لَا غِنَى عَنْهُ قَوْلُهُ: بِمُبَاحٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَلْوِيحًا إلَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا طَاقَتَهُمْ فِي الدَّفْعِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، أَوْ تَلْوِيحًا إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُهُ عَلَى الْحَقِّ وَلَوْ ضَعُفُوا، وَكَانَ أَبُو تَغْلَى رَجُلًا جَبَّارًا سَمِعَ قِرَاءَةَ العزابة فِي غَارِ أَجْلُو
الشَّرْقِيِّ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبِدْعَةُ؟ فَوَصَلَ قَوْلُهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ فَاسْتَعْمَلَ قَصْعَةً مِنْ طَعَامٍ طَيِّبٍ وَمَنَادِلَ حِسَانًا وَبَطَّةً مَمْلُوءَةً زَيْتًا فَأَرْسَلَهَا إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: امْسِكْهَا هِيَ لَكَ، فَجَلَسَ غَدًا فِي مَوْضِعِهِ فَسَمِعَ قِرَاءَتَهُمْ فَقَالَ مَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ إلَّا كَلَامُ ابْنِ بَكْرٍ وَمَنْ كَرِهَ فَهَذَا فِي قَلْبِهِ، لِرُمْحٍ فِي يَدِهِ.
وَالرِّشْوَةُ لِرَفْعِ ظُلْمٍ أَوْ دَفْعِ جَوْرٍ جَائِزَةٌ، قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا نَفَعَنَا فِي أَيَّامِ زِيَادٍ إلَّا الرِّشَا، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّشْوَةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْعَلِيمِ وَتَصِيدُ الْحَكِيمَ، وَاَللَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ، وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ بْنُ أَبِي مِسْوَرٍ لَا يُدْخِلُ جَبَّارٌ جِرْبَةً إلَّا أَكَلَ طَعَامَهُ قَبْلَ النَّاسِ، وَيُطْعِمُ مِثْلَ ذَلِكَ للعزابة، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ زَرَعَهُ وَحَصَدَهُ وَدَرَسَهُ وَدَرَأَهُ وَطَحَنَهُ وَطَبَخَهُ وَأَطْعَمَهُ لِلْمُسَوَّدَةِ اتِّقَاءً لِشَرِّهِمْ خَيْرٌ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَطْعَمَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي فِي الثَّوَابِ لِعِظَمِ حِفْظِ الدِّينِ، وَدَفْعِ ضُرٍّ أَشْرَفَ أَوْ ظُلْمٍ وَقَعَ، وَكَانَ يَقُولُ: خُبْزِي مَرْفُوعٌ لِلْجَبَابِرَةِ وَقَالَ حَكِيمٌ: الرِّشْوَةُ رِشَاءُ الْحَاجَةِ، شَبَّهَهَا بِحَبْلٍ تُجْبَذُ بِهِ الْحَاجَةُ، قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ وَمِمَّا قُلْتُهُ فِي الرِّشْوَةِ: