شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٥٩٦

وَرُخِّصَ مَا لَمْ يَنْعَرْ مِنْ أَحَدِهِمَا.

--------------------

(وَرُخِّصَ) أَنْ لَا يَهْلِكَ (مَا لَمْ يَنْعَرْ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لَكِنْ إذَا انْعَرَى مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَبْقَ اسْمُ الْآخَرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ لَمْ يَبْقَ رَجَاءٌ بَلْ أَمْنٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَجَاءٌ لَمْ يَبْقَ خَوْفٌ بَلْ إيَاسٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إذَا اُحْتُضِرَ الْمُؤْمِنُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَمِيلَ إلَى الرَّجَاءِ كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَالْآنَ الرَّجَاءُ فِيكَ أَمْثَلُ.

قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كُنْ ذَا قَلْبَيْنِ، قَلْبٌ تَخَافُ اللَّهَ بِهِ خَوْفًا لَا يُخَالِطُهُ تَقْنِيطٌ، وَقَلْبٌ تَرْجُو اللَّهَ بِهِ رَجَاءً لَا يُخَالِطُهُ تَغْرِيرٌ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ بِمِيزَانٍ طريس - أَيْ مُحْكَمٍ - مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ﴾ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْعَقَبَاتِ: الْعَبْدُ إذَا كَانَ قَوِيًّا صَحِيحًا فَالْخَوْفُ أَوْلَى بِهِ، وَإِذَا مَرِضَ وَضَعُفَ وَلَا سِيَّمَا مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْآخِرَةِ، فَالرَّجَاءُ أَوْلَى بِهِ لِمَا رُوِيَ ﴿أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَخَافَتِي﴾ فَيَصِيرُ رَجَاؤُهُمْ أَوْلَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِانْكِسَارِ قَلْبِهِ وَخَوْفِهِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ.

وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ وَإِنْ قُلْتَ أَلَيْسَتْ قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ الْحَذَرَ مِنْ

مَعْصِيَتِهِ، وَالْخَوْفَ مِنْ عِقَابِهِ، وَالِاجْتِهَادَ فِي خِدْمَتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَا هُنَا أَصْلًا أَصِيلًا وَنُكْتَةً عَزِيزَةً يَغْلَطُ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْأُمْنِيَةِ، فَالرَّجَاءُ يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ وَالْأُمْنِيَةُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، مِثَالُهُ أَنْ يَزْرَعَ أَحَدٌ وَيَجْتَهِدَ بِبَذْرٍ فَيَقُولَ: أَرْجُو أَنْ يَحْصُلَ لِي مِنْهُ مِائَةُ قَفِيزٍ فَذَلِكَ رَجَاؤُهُ، وَآخَرُ لَا يَزْرَعُ وَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْحَصَادِ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَحْصُلَ لِي مِائَةُ قَفِيزٍ،

١٠٬٢٣٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.