الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٩٧...............................................
-----------------
فَيُقَالُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الرَّجَاءُ وَلَمْ تُقَدِّمْ أَسْبَابَهُ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرَكَ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْجُو أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْيَسِيرَ، وَيُتِمَّ هَذَا التَّقْصِيرَ، وَيُعَظِّمَ الثَّوَابَ، وَيَعْفُوَ عَنْ الزَّلَلِ، وَأَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ، فَهَذَا مِنْهُ رَجَاءٌ، وَأَمَّا إنْ تَرَكَ الطَّاعَةَ وَعَصَى وَلَمْ يُبَالِ بِالْوَعِيدِ.
وَقَالَ: أَرْجُو الْجَنَّةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ النَّارِ فَذَلِكَ أُمْنِيَةٌ لَا حَاصِلَ لَهَا سَمَّاهَا رَجَاءً وَحُسْنَ ظَنٍّ، وَذَلِكَ خَطَأٌ وَضَلَالٌ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ﴾، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إنَّ قَوْمًا أَلْفَتْهُمْ أَمَانِي الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ حَسَنَةٌ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: إنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي وَكَذَبَ، لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ لِأَحْسَنَ الْعَمَلَ لَهُ، وَقَرَأَ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ الْآيَةَ؛ وَفَسَّرَ الْقُرْطُبِيُّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ أَنْ يَطْمَعَ فِي مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَالِبًا عَلَيْهِ عِنْدِ الْمَوْتِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا رَأَيْتُمْ بِالرَّجُلِ الْمَوْتَ فَبَشِّرُوهُ لِيَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَتَحْقِيقُ
ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ لَا يَمِيلَ لِلْخَوْفِ، وَإِنْ مَالَ لِلرَّجَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ جَازَ، وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ثَمَنُ الْجَنَّةِ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ أَبَا مَيْسَرَةَ الْعَابِدَ وَقَدْ بَدَتْ أَضْلَاعُهُ فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ فَغَضِبَ، وَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقُنُوطِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَأَبْكَانِي قَوْلُهُ، وَإِذَا بَلَغَ الْمُكَلَّفُ الْحَدَّ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ مَا عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَجَاوَزَ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فَلَا يَعْصِي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ