الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٩٨وَأَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَرْتَفِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.
------------------------
بَلَغَ الْحَدَّ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ.
(وَ) الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ هُمَا (أَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَرْتَفِعَانِ) أَيْ: يَزُولَانِ مَعًا كَالْآيِسِ وَكَآمِنِ الْمَكْرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ خَائِفٍ وَلَا رَاجٍ بَلْ جَازِمٌ، وَكَالذَّاهِلِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا خَائِفُونَ وَلَا رَاجُونَ (أَوْ) يَزُولُ (أَحَدُهُمَا) وَيَبْقَى الْآخَرُ وَيَنْظُرُ كَيْفَ يَخَافُ وَلَا يَرْجُو، أَوْ يَرْجُو وَلَا يَخَافُ، فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، أَوْ لَوْ لَمْ يَخَفْ لَمَا قِيلَ رَجَا وَلَوْ لَمْ يَرْجُ لَمَا قِيلَ خَافَ، وَتَقَدَّمَ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، وَأَرَادَ بِالْمُتَغَايَرِينَ الْخِلَافَيْنِ كَالضَّحِكِ وَالْكَلَامِ، فَإِنَّ الْخِلَافَيْنِ يَجْتَمِعَانِ وَيَرْتَفِعَانِ وَيُوجَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَالتَّقَابُلُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ تَقَابُلُ التَّضَادِّ.
قَالَ السُّنُوسِيُّ: أَنْوَاعُ الْمُنَافَاةِ أَرْبَعَةٌ: تَنَافِي النَّقِيضَيْنِ، وَتَنَافِي الْعَدَمِ وَالْمُلْكَةِ أَيْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهِيَ الْوُجُودُ، وَتَنَافِي الضِّدَّيْنِ، وَتَنَافِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، فَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، أَمَّا النَّقِيضَانِ فَهُمَا ثُبُوتُ أَمْرٍ وَنَفْيُهُ كَثُبُوتِ الْحَرَكَةِ وَنَفْيِهَا، وَأَمَّا الْعَدَمُ وَالْمُلْكَةِ: فَهُمَا ثُبُوتُ أَمْرٍ وَنَفْيُهُ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ كَالْبَصَرِ وَالْعَمَى، فَالْبَصَرُ وُجُودِيٌّ وَالْعَمَى عَدَمُهُ، عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ، فَلَا يُقَالُ فِي الْحَائِطِ: أَعْمَى، وَبِهَذَا فَارَقَ هَذَا النَّوْعُ النَّقِيضِينَ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ النَّوْعَيْنِ ثُبُوتُ أَمْرٍ وَنَفْيُهُ، لَكِنَّ النَّفْيَ فِي تَقَابُلِ الْعَدَمِ وَالْمُلْكَةِ مُقَيَّدٌ بِنَفْيِ الْمُلْكَةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا، وَفِي النَّقِيضِينَ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الضِّدَّانِ فَهُمَا الْوُجُودِيَّانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا عَلَى تَعَقُّلِ الْآخَرِ، كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ، وَالْمُرَادُ
بِغَايَةِ الْخِلَافِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا، بِخِلَافِ الْبَيَاضِ مَعَ الْحَرَكَةِ فَإِنَّهُمَا أَمْرَانِ وُجُودِيَّانِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ الَّتِي هِيَ التَّنَافِي لِصِحَّةِ اجْتِمَاعِهِمَا إذْ يُمْكِنُ